بعد أكثر من عقد من الإثارة التي صنعتها GTA 5، يجد عشاق السلسلة أنفسهم على أعتاب فصل جديد قد يعيد تعريف مفهوم “اللعبة” ذاتها. فالتكهنات تشير إلى أن GTA 6 لن تكون مجرد تكملة للسلسلة، بل نقلة استراتيجية تعكس رؤية Rockstar Games لمستقبل الألعاب: عالم مفتوح لا يتوقف عن النمو، وقصة لا تنتهي عند مشهدها الأخير، بل تتطور مع كل تحديث. إنه تحول من نموذج “اللعبة المنفصلة” إلى “المنصة التفاعلية” التي تعيش مع اللاعبين لعقود.
إرث GTA 5: عندما تجاوزت اللعبة أحلام صانعيها
عند إطلاق GTA 5 عام 2013، تصور القائمون عليها أن عمرها الافتراضي لن يتجاوز عامين وثلاثة، مع خطط لتوسعة قصصية تدعى Agent Trevor. لكن المفاجأة جاءت من حيث لم يحتسبوا: GTA Online. هذا الوضع الجماعي، الذي بدأ كميزة ثانوية، تحوّل إلى ظاهرة ثقافية واقتصادية. حققت اللعبة إيرادات تجاوزت 8 مليارات دولار، مع بيع أكثر من 180 مليون نسخة، وهو رقم جعلها اللعبة الأكثر ربحية في تاريخ الصناعة.
لم تكن هذه الأرقام وليدة الصدفة، فبعد مراقبة التفاعل الكبير مع GTA Online، قررت Rockstar إلغاء التوسعة القصصية وتحويل كل الجهود نحو تطوير المحتوى الجماعي. قرار جريء حوَّل اللعبة إلى “خدمة حية” تتنفس مع تحديثات أسبوعية، من حفلات افتراضية في The Diamond Casino إلى مهمات سرقة ملحمية في Cayo Perico، لتبقى اللعبة طوال عشر سنوات في قائمة العناوين الأكثر لعبًا.
GTA Online: المختبر الذي غير قواعد اللعبة
إذا كانت GTA 5 هي القاعدة، فإن GTA Online كان الاختبار الذي أثبت أن “الألعاب كخدمة” (GaaS) ليست موضة عابرة، بل مستقبل الصناعة. فمن خلال 60 تحديث رئيسي، نجحت Rockstar في تحويل عالم اللعبة الثابت إلى مسرح ديناميكي تتغير أحداثه مع كل فصل. لم يعد اللاعبون يستهلكون المحتوى، بل صاروا جزءًا من صناعته عبر تفاعلاتهم اليومية.
النجاح المالي كان بمثابة الصدمة الإيجابية، حيث حققت اللعبة إيرادات سنوية تتجاوز مليار دولار من عمليات الشراء داخل اللعبة. وارتفاع مستمر في أعداد اللاعبين رغم مرور الوقت. هذا النجاح دفع Rockstar إلى تبني استراتيجية جديدة وهي، الاستثمار في البنى التحتية طويلة الأمد، مثل الاستحواذ على شركة Cfx.re المطورة لمنصة FiveM الشهيرة، والتي تسمح بإنشاء خوادم معدلة بلا حدود، ما يؤشر على رغبتها في تحويل GTA 6 إلى منصة مفتوحة للتعديلات الجماعية.
GTA 6: هل نرى ولادة “ميتافيرس” روكستار؟
هنا تكمن المفارقة، فكلما طال انتظار GTA 6، ازدادت التوقعات نحو تحولها إلى كيان أكبر من مجرد “لعبة”. التسريبات والتلميحات تشير إلى عالم مفتوح قابل للتوسع، حيث تضاف مدن جديدة عبر التحديثات، ربما بدءًا من “فايس سيتي” الأسطورية، مع نظام طقس ديناميكي يحدث فيضانات وأعاصير تغير خريطة اللعبة نفسها.
الأمر لا يتوقف عند الجانب التقني، فاستراتيجية Rockstar تبدو واضحة في إطلاقها لخدمة GTA+، اشتراك شهري يقدم محتوى حصري، كنموذج أولي لنظام اقتصادي دائم قد يشبه ما تقدمه Fortnite. التكهنات تشير إلى أن الحملة القصصية في GTA 6 قد تندمج مع اللعب الجماعي بشكل غير مسبوق، حيث تصبح المهام التعاونية جزءًا من تطور القصة الرئيسية، مع أحداث عالمية تغير مصير الشخصيات حسب اختيارات اللاعبين.
مستقبل القصص في ألعاب روكستار: صراع بين الهوية والابتكار
لكن هذا التحول يثير تساؤلات عديدة حول مصير الألعاب ذات السرد العميق، مثل سلسلة Red Dead Redemption. هل سيهمل استوديو Rockstar هذا الجانب لصالح التركيز على GTA كمنصة خدمية؟ الأدلة تشير إلى خطة أكثر توازن. وذلك من خلال تطوير أجزاء جديدة من السلاسل القصصية عبر استوديوهات فرعية، مع دمج عناصر اللعب الجماعي فيها دون التضحية بعمق القصة.
قد نرى، مثلًا، إصدار Red Dead Online 2.0 مع نظام تحديثات مستدام، أو حتى تعاون بين شخصيات Red Dead وGTA في أحداث مشتركة، مستفيدين من تقنيات الحوسبة السحابية لربط العوالم بشكل لم يسبق تجربته اللاعبون من قبل.
في النهاية، يمكن تلخيص مستقبل GTA 6 في كلمة واحدة، “الاستمرارية”. فالعالم المفتوح لن يكون مساحة للاستكشاف فحسب، بل ورشة عمل دائمة تعيد تشكيل نفسها حسب رغبات اللاعبين. قد يكون هذا التحول صادم للمتمسكين بالنموذج الكلاسيكي، لكنه يلامس حقيقة جديدة هي: “الألعاب لم تعد منتجات تستهلك وتنسى، بل فضاءات رقمية نعيش فيها”.
السؤال الان هو: هل أنت مستعد لأن تكون جزءًا من عالم يتطور مع كل ضغطة زر؟ أم ما زلت تفضل تلك اللحظة السحرية عندما تدخل القرص إلى الجهاز، وتلعب حتى النهاية، ثم تنتظر الجزء التالي؟ التاريخ يصنعه الجواب.