كشف علماء الآثار في مدينة تانيس المصرية القديمة عن اكتشاف مثير للاهتمام يتعلق بـتماثيل جنائزية مئات، تحمل اسم الفرعون شوشنق الثالث، ولكنها وُجدت داخل مقبرة فرعون آخر هو أوسركون الثاني. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات جديدة حول ممارسات الدفن الملكية في مصر القديمة خلال الفترة الانتقالية الثالثة، ويقدم لمحة عن معتقداتهم حول الحياة الآخرة.
جاء هذا الاكتشاف خلال أعمال التنقيب التي تقودها بعثة أثرية فرنسية من جامعة السوربون، وبالتحديد أثناء الاستعدادات لمشروع ترميم وصيانة مقبرة أوسركون الثاني. وقد أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن تفاصيل الاكتشاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أهميته في فهم تاريخ هذه الفترة المضطربة من الحضارة المصرية.
لغز التماثيل الجنائزية لشوشنق الثالث
تُعرف هذه التماثيل الصغيرة باسم “أوشابتي”، وكانت تُستخدم في الطقوس الجنائزية المصرية القديمة لتمثيل الخادم الذي سيقوم بالعمل نيابة عن المتوفى في العالم الآخر. عثر الفريق الأثري على 225 تمثالًا أوشابتي يحمل اسم الملك شوشنق الثالث، بالإضافة إلى نقوش جديدة على جدران الغرفة الشمالية في مقبرة أوسركون الثاني.
هذه التماثيل وُجدت في مواقعها الأصلية داخل الطمي، وبالقرب من تابوت ضخم مصنوع من الجرانيت، وهو تابوت لم يتم تحديد صاحبه بعد. وفقًا لفريدريك بايرودو، رئيس البعثة، فإن عهد شوشنق الثالث كان طويلًا ولكنه شهد صراعات داخلية، بما في ذلك حرب أهلية ضد أبناء عمومته الذين حكموا مناطق في جنوب مصر.
أهمية الاكتشاف في سياق التاريخ المصري
ينتمي كل من شوشنق الثالث وأوسركون الثاني إلى الأسرة الثانية والعشرين، التي حكمت مصر خلال الفترة الانتقالية الثالثة (حوالي 1069 إلى 525 قبل الميلاد). كانت هذه الفترة تتميز بالانقسام السياسي والاجتماعي، حيث لم يكن هناك حاكم واحد يسيطر على كامل البلاد.
يُذكر أن شوشنق الثالث كان من بين أهم ملوك هذه الأسرة، حيث قام ببناء العديد من المنشآت الهامة في تانيس، التي كانت بمثابة عاصمة إقليمية في ذلك الوقت. اكتسبت مقبرة أوسركون الثاني شهرة واسعة بالفعل بعد اكتشاف “كنوز تانيس” فيها عام 1939، والتي تُعرض حاليًا في المتحف المصري بالتحرير.
وفقًا لتصريحات هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار المنطقة البحرية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان شوشنق الثالث قد دُفن فعليًا داخل مقبرة أوسركون الثاني، أم أن تماثيل الأوشابتي الخاصة به قد نُقلت إلى هناك لحمايتها من السرقة.
ومع ذلك، يرى بايرودو أن وجود التماثيل بالقرب من التابوت المجهول والنقوش الجديدة على الجدار يشير بقوة إلى أن شوشنق الثالث قد دُفن في هذا المكان، وليس في مقبرته الخاصة.
تجدر الإشارة إلى أن مقبرة شوشنق الثالث تحتوي على بعض الآثار التي تحمل اسم شوشنق الرابع، وهو أحد حكام الأسرة الثالثة والعشرين. وهذا يثير احتمالًا بأن شوشنق الرابع قد يكون هو من قام بنقل تماثيل شوشنق الثالث إلى مقبرة أوسركون الثاني، ولكن هذا لا يزال مجرد فرضية.
بالإضافة إلى الآثار، يمثل هذا الاكتشاف فرصة لفهم أعمق للمعتقدات الدينية والممارسات الجنائزية في مصر القديمة. فوجود عدد كبير من تماثيل الأوشابتي (225 تمثالًا) يشير إلى أن شوشنق الثالث كان يتوقع حياة الآخرة مريحة ومرفهة، وكان حريصًا على توفير كل ما يحتاجه من مساعدين وخدم.
كما يثير هذا الاكتشاف تساؤلات حول إمكانية وجود “تبادل” للمقابر بين الفراعنة في تانيس، أو على الأقل إعادة استخدام المقابر الملكية في فترات لاحقة. هذه الظاهرة، إذا تأكدت، قد تلقي ضوءًا جديدًا على الديناميكيات السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في مصر خلال الفترة الانتقالية الثالثة.
في المرحلة القادمة، يخطط الفريق الأثري لدراسة النقوش المكتشفة حديثًا بعناية، وتحليل محتواها وتاريخها. من المتوقع أن تستغرق هذه الدراسة عدة أشهر، وقد تؤدي إلى اكتشافات جديدة ومثيرة.
من الأمور التي يجب مراقبتها أيضًا هو تحديد هوية صاحب التابوت الجرانيتي المجهول، والذي قد يكون مرتبطًا بشكل مباشر بشوشنق الثالث أو بأحد الفراعنة الآخرين من الأسرة الثانية والعشرين.
يبقى هذا الاكتشاف بمثابة لغز ينتظر الحل، ويعد بمزيد من الأبحاث التي ستساهم في إثراء معرفتنا بتاريخ مصر القديمة والحضارة المصرية.
