تتغير ملامح الاقتصاد العالمي بسرعة، مدفوعة بقوة تحولية تعيد تشكيل الصناعات والأسواق. هذه القوة ليست سوى الذكاء الاصطناعي، الذي يضع الولايات المتحدة في طليعة هذا التحول، وفقًا لورقة بحثية حديثة للبيت الأبيض بعنوان “الذكاء الاصطناعي والاختلاف الكبير”. تسلط الورقة الضوء على أوجه التشابه المذهلة بين تأثير الذكاء الاصطناعي الحالي والثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مؤكدةً أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل هو محرك أساسي للنمو الاقتصادي المستقبلي على مستوى العالم.
الذكاء الاصطناعي: ثورة اقتصادية على غرار الثورة الصناعية؟
تقارن ورقة البيت الأبيض التطورات الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي بالتحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات خلال الثورة الصناعية. فكما كانت السكك الحديدية والبخار بمثابة قادة التغيير في الماضي، يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم نقطة الارتكاز للنمو الاقتصادي. تشير الورقة إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 1.3٪ في النصف الأول من عام 2025، وهو رقم يقارن بشكل مباشر بالدفعة التي تلقتها الولايات المتحدة من خلال الاستثمار في شبكة السكك الحديدية خلال القرن التاسع عشر. هذه المقارنة ليست مجرد تاريخية، بل هي إشارة إلى الأثر التحويلي طويل المدى الذي يمكن أن يحدثه الذكاء الاصطناعي.
الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي: الوقود الجديد للنمو
ليس الاستهلاك أو الإنفاق الحكومي هو الذي يدفع النمو الاقتصادي في الوقت الحالي، بل نشر رأس المال في بناء البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. هناك زيادة ملحوظة في الاستثمار في معدات معالجة البيانات، والمباني المخصصة، والبرمجيات الضرورية، حيث وصل هذا الاستثمار إلى حوالي ربع إجمالي الاستثمارات الأمريكية في عام 2025. يتجلى هذا التحول في الأرقام:
نمو القدرات الحسابية وتكاليف الذكاء الاصطناعي
- تضاعف القدرة الحاسوبية المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أربعة أضعاف كل عام منذ عام 2010.
- كما تضاعف طول المهام التي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي إكمالها كل سبعة أشهر على مدى ست سنوات.
- انخفضت تكلفة كل “رمز مميز” (Token) لمخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، بين 9 أضعاف و900 ضعف سنوياً، تبعاً للمهمة والنموذج.
هذه التطورات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يشهد تطورًا سريعًا ويصبح أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة.
اعتماد واسع النطاق للذكاء الاصطناعي في الشركات والأعمال
تشير الأرقام إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم نظري أو مشروع تجريبي. بحلول نهاية عام 2025، أفادت حوالي 78% من الشركات عن استخدامها للذكاء الاصطناعي، بزيادة كبيرة عن 55% في عام 2024. وبالمثل، يستخدم حوالي 40% من العاملين في الولايات المتحدة بالفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي في أداء وظائفهم، مع دفع ما يقارب نصف الشركات الأمريكية مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي. هذه الإحصائيات تؤكد أن التحول الرقمي المدفوع بالذكاء الاصطناعي قد أصبح حقيقة واقعة في معظم القطاعات.
السباق العالمي نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الولايات المتحدة فحسب، بل هو يغير بشكل جذري المشهد الاقتصادي العالمي. تشير الورقة إلى أن الذكاء الاصطناعي يساهم في اتساع الفجوة بين الاقتصادات الرائدة والمتخلفة، حيث تشهد الولايات المتحدة نموًا في الناتج المحلي الإجمالي مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من أوروبا والصين.
في الوقت الحالي، تحتل الولايات المتحدة مكانة رائدة في كل من الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وتطوير النماذج، والقدرة الحاسوبية. بينما لا يزال الاتحاد الأوروبي متخلفًا عن الركب في مجالات مثل تطوير البرمجيات وزيادة الاستثمار و القدرة الحاسوبية و غيرها. ومع ذلك، تظل الصين لاعباً رئيسياً في هذا المجال، لكنها تعتمد بشكل كبير على الأجهزة المصممة في الولايات المتحدة لتدريب نماذجها.
السياسات الحكومية: تمكين الذكاء الاصطناعي من خلال الحوافز والتنظيم
تركز ورقة البيت الأبيض على الحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لدعم نمو الذكاء الاصطناعي. يعتبر قانون “مشروع القانون الكبير الجميل” مثالاً رئيسياً على هذه الجهود، حيث قدم إعفاءات ضريبية كبيرة لمراكز البيانات والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، مما أدى إلى تسريع وتيرة بناء هذه المرافق. تهدف هذه السياسات إلى رفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من نقطة مئوية سنويًا على المدى المتوسط، من خلال خفض التكاليف وزيادة المنافسة وتسريع الابتكار.
بالإضافة إلى ذلك، تؤكد الورقة على أهمية الاتفاقيات التجارية والسياسة الخارجية في ضمان حصول الولايات المتحدة على الوصول إلى الموارد الضرورية، مثل رقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها من الشركاء الدوليين.
استهلاك الطاقة وتحديات البنية التحتية
كما تسلط الورقة الضوء على التحديات المرتبطة بنمو الذكاء الاصطناعي، وخاصةً فيما يتعلق باستهلاك الطاقة. من المتوقع أن تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من الكهرباء، ما قد يمثل ما يصل إلى 12% من إجمالي استهلاك الكهرباء المحلي بحلول عام 2028. لذلك، يُعتبر ضمان توفر الطاقة وتحديث شبكة الكهرباء أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على الريادة الأمريكية في مجال تكنولوجيا المعلومات و الذكاء الاصطناعي.
باختصار، تؤكد ورقة البيت الأبيض أن الذكاء الاصطناعي هو القوة الدافعة للنمو الاقتصادي العالمي في المستقبل، وأن الولايات المتحدة في وضع جيد للاستفادة من هذه الثورة. ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذا الهدف استثمارًا مستمرًا في البنية التحتية، وسياسات حكومية داعمة، ومعالجة التحديات المتعلقة بالطاقة والاستدامة. إن البلدان التي تستثمر وتبني هذه التقنية ستكون في موقع متميز لتحقيق النمو والازدهار.
