تتغير ملامح الرعاية الصحية بوتيرة متسارعة مع التطورات الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم مستقبلي، بل أصبح أداة واقعية يستخدمها الأفراد بشكل متزايد لفهم صحتهم وإدارةها. وفقًا لدراسة حديثة أجرتها شركة Confused.com Life Insurance في المملكة المتحدة، يلجأ ثلاثة من كل خمسة بريطانيين الآن إلى الذكاء الاصطناعي لإجراء تشخيص ذاتي لحالاتهم الصحية، مما يعكس تحولًا كبيرًا في سلوكيات البحث عن الرعاية.
انتشار التشخيص الذاتي بالذكاء الاصطناعي: نظرة عن قرب
تشير الدراسة إلى أن الأفراد يستخدمون الذكاء الاصطناعي في مجموعة متنوعة من عمليات البحث المتعلقة بالصحة، بدءًا من فهم الأعراض المحتملة ووصولًا إلى البحث عن الآثار الجانبية للأدوية وخيارات العلاج المختلفة. الأمر المثير للاهتمام هو أن 11% من المشاركين في الدراسة أشاروا إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم بالفعل في تحسين حالاتهم الصحية. هذا الانتشار الواسع يعكس حاجة ملحة لإيجاد حلول سريعة وسهلة الوصول للتعامل مع المخاوف الصحية.
أوقات الانتظار الطويلة تدفع نحو الحلول الرقمية
أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التحول هو صعوبة الحصول على مواعيد مع الأطباء العامين في الوقت المناسب. في المملكة المتحدة، يبلغ متوسط وقت الانتظار حاليًا 10 أيام، وهي فترة قد تكون طويلة جدًا بالنسبة للكثيرين الذين يعانون من أعراض مقلقة. نتيجة لذلك، شهدت عمليات البحث المتعلقة بالصحة ارتفاعًا ملحوظًا منذ بداية عام 2025. فقد زادت عمليات البحث عن عبارات مثل “ما هو مرضي؟” بنسبة 85%، و”ما هي الأعراض؟” بنسبة 33%، و”الآثار الجانبية” بنسبة 22%.
الفئات العمرية الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي في مجال الصحة
تظهر الدراسة تباينًا في استخدام الذكاء الاصطناعي بين الفئات العمرية المختلفة. ففي حين أن 35% من المشاركين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتشخيص الذاتي، إلا أن هذه النسبة ترتفع بشكل كبير لتصل إلى 54% بين نفس الفئة العمرية للتحقق من الأعراض. بالمقابل، يستخدم 85% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا الذكاء الاصطناعي بانتظام للبحث عن المشكلات الصحية. هذا يدل على أن الشباب أكثر تقبلاً للتكنولوجيا في مجال الرعاية الصحية.
فوائد استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الذاتي
يرى 42% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي أسرع من انتظار موعد مع الطبيب، وهو ما يمثل فائدة كبيرة خاصة بالنسبة لأولئك الذين يعانون من القلق بشأن حالتهم الصحية. كما أن 50% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا و51% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و44 عامًا أعربوا عن عدم ارتياحهم لفكرة المخاطرة بالتأخير في التشخيص، معتبرين أن التشخيص الذاتي يوفر استجابة أسرع.
بالإضافة إلى ذلك، يستخدم 20% من الأفراد الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات حول أفضل الطرق لدعم صحة أفراد أسرهم. كما أن عدم الحاجة إلى التحدث وجهًا لوجه مع الطبيب يعتبر ميزة إضافية بالنسبة للعديد من الأشخاص، حيث أن 24% منهم يشعرون براحة أكبر عند استخدام الذكاء الاصطناعي لمناقشة صحتهم، وترتفع هذه النسبة إلى 39% بين الفئة العمرية 18-24 عامًا. كما يبحث 17% عن حلول طبية بديلة ودعم من خلال الذكاء الاصطناعي، بينما يعتقد 20% أنه يمكنهم توفير رسوم الرعاية الصحية الخاصة من خلال التشخيص الذاتي.
تأثير إيجابي على الفئات المهمشة
أظهرت الدراسة تأثيرًا إيجابيًا خاصًا للذكاء الاصطناعي على الأفراد غير الثنائيين وأولئك الذين لديهم هوية بديلة، حيث أفاد 75% منهم أن التشخيص بالتكنولوجيا ساعدهم “بشكل كبير”، مقارنة بـ 13% فقط من الرجال و9% من النساء. هذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في توفير رعاية صحية أكثر شمولاً وتلبية احتياجات الفئات التي قد تواجه صعوبات في الوصول إلى الرعاية التقليدية.
إطلاق ChatGPT Health: خطوة نحو مستقبل الرعاية الصحية
تأتي هذه النتائج في وقت مناسب مع إطلاق OpenAI لميزة ChatGPT Health الجديدة، والتي تهدف إلى معالجة العدد المتزايد من الاستفسارات المتعلقة بالصحة التي يتم إجراؤها على المنصة. تتيح هذه الميزة للمستخدمين ربط سجلاتهم الطبية الشخصية وتطبيقات الصحة، مما يسمح للذكاء الاصطناعي بتقديم استجابات مخصصة. ومع ذلك، تؤكد OpenAI على أن ChatGPT Health ليس أداة تشخيصية أو بديلاً عن الرعاية الطبية المتخصصة، بل هو أداة لدعم الرعاية الصحية وفهم النتائج الطبية.
الخلاصة: الذكاء الاصطناعي كأداة مكملة وليست بديلة
بشكل عام، تشير الأدلة إلى أن الذكاء الاصطناعي له تأثير إيجابي على الوعي الصحي وسلوكيات البحث عن الرعاية. ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنظر إليه على أنه أداة مكملة للرعاية الصحية التقليدية، وليس بديلاً عنها. كما يؤكد توم فوغان، خبير التأمين على الحياة في Confused.com، على أهمية استشارة الأطباء العامين أو الصيادلة للحصول على تشخيص دقيق وخطط علاج مناسبة. إن مستقبل الرعاية الصحية يكمن في التكامل الذكي بين التكنولوجيا والخبرة البشرية، مما يضمن حصول الجميع على أفضل رعاية ممكنة.
