يشهد قطاع التجزئة تحولاً جذرياً مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، حيث يتبنى كبار اللاعبين في السوق هذه التقنية بوتيرة متسارعة. هذا التحول لا يقتصر على تحسين تجربة التسوق فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع السلطة في العلاقة بين تجار التجزئة والمستهلكين، وحتى التخلي عن بعض السيطرة على البيانات مقابل الوصول الأوسع. فمع تزايد شعبية منصات مثل ChatGPT و Gemini و Copilot، يجد تجار التجزئة أنفسهم أمام خيار استراتيجي: الانخراط في هذه المنصات أم الاستثمار في حلول الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. هذا المقال يستكشف أبعاد هذا التحول في تجارة الذكاء الاصطناعي، والتحديات والفرص التي يطرحها.
صعود التجارة التي يقودها الذكاء الاصطناعي: شراكات جديدة وتغييرات جذرية
شهدت بداية عام 2026 دفعة قوية نحو تجارة الذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت شركات كبرى مثل Etsy و Target و Walmart عن شراكات مع منصات الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات خارجية. هذه الشراكات، التي بدأت بالتعاون مع ChatGPT من OpenAI، وتوسعت لتشمل Gemini من Google و Copilot من Microsoft، تتيح للمستهلكين الآن إمكانية شراء المنتجات مباشرةً من خلال واجهات المحادثة الخاصة بهذه الأدوات. هذا يعني أن المستهلك لم يعد بحاجة إلى زيارة موقع الويب الخاص بالتجزئة لإتمام عملية الشراء، بل يمكنه القيام بذلك أثناء تفاعله مع مساعد الذكاء الاصطناعي.
استثمارات كبرى في مساعدي الذكاء الاصطناعي
أمازون و Walmart لا تقفان مكتوفتي الأيدي أمام هذا التطور. فقد استثمرت الشركتان بشكل كبير في تطوير مساعديهما الخاصين بالذكاء الاصطناعي، Rufus و Sparky على التوالي. تهدف هذه الاستثمارات إلى تغيير الطريقة التي يتفاعل بها المتسوقون مع العلامات التجارية، وتقديم تجربة تسوق أكثر سلاسة وشخصية. هذه المساعدات لا تقتصر على مجرد البحث عن المنتجات، بل يمكنها أيضاً تقديم توصيات مخصصة، ومقارنة الأسعار، وحتى إتمام عملية الشراء بالكامل.
هل تعطل الذكاء الاصطناعي تجارة التجزئة التقليدية؟
يرى خبراء الصناعة أن هذا التحول يمثل لحظة فارقة في تاريخ التسوق عبر الإنترنت. كارتيك هوساناجار، أستاذ التسويق في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، يرى أن هذا الاتجاه لديه القدرة على “تعطيل تجارة التجزئة بنفس الطريقة التي فعلت بها الإنترنت من قبل”. فمن خلال إتاحة التسوق عبر منصات الذكاء الاصطناعي، يتم الوصول إلى المستهلكين أينما كانوا، وفي أي وقت يختارونه.
البيانات تؤكد هذا النمو. فقد أظهر تقرير Adobe’s 2025 Holiday Shopping نمواً هائلاً بنسبة 758% في حركة المرور المستندة إلى الذكاء الاصطناعي إلى مواقع التجارة الإلكترونية الأمريكية على أساس سنوي، مع زيادة ملحوظة بنسبة 670% في زيارات البيع بالتجزئة المُحالة بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال Cyber Monday. هذا النمو يعكس مدى سرعة تبني المستهلكين لهذه التقنية الجديدة.
التحديات والمخاطر: فقدان السيطرة على البيانات والولاء للعلامة التجارية
على الرغم من الفرص الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك تحديات ومخاطر يجب على تجار التجزئة أخذها في الاعتبار. أحد أهم هذه التحديات هو فقدان السيطرة على البيانات. فمن خلال السماح للمستهلكين بالتسوق عبر منصات الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات خارجية، يفقد تجار التجزئة الوصول إلى البيانات السلوكية القيمة التي يمكنهم استخدامها لتحسين تجربة التسوق وتخصيص العروض.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق متزايد بشأن تآكل الولاء للعلامة التجارية. وفقًا لتقرير ديلويت العالمي لقطاع التجزئة لعام 2026، يعتقد 81% من المديرين التنفيذيين في قطاع التجزئة أن الذكاء الاصطناعي المولد سيؤدي إلى تآكل الولاء للعلامة التجارية بحلول عام 2027. فالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في عملية الشراء قد يجعل المستهلكين أقل ارتباطًا بالعلامات التجارية الفردية، وأكثر تركيزًا على الحصول على أفضل صفقة أو المنتج الأنسب لاحتياجاتهم. هذا التحول يتطلب من تجار التجزئة إعادة التفكير في استراتيجياتهم التسويقية، والتركيز على بناء علاقات أقوى مع العملاء من خلال تقديم قيمة مضافة تتجاوز مجرد بيع المنتجات.
مستقبل تجارة التجزئة: وكلاء الذكاء الاصطناعي وتجارب تسوق مخصصة
يبدو أن مستقبل تجارة التجزئة يتجه نحو الاعتماد المتزايد على وكلاء الذكاء الاصطناعي. هؤلاء الوكلاء قادرون على معالجة المعلومات بشكل مختلف عن البشر، والاستجابة للإقناع بطرق جديدة، مما يتطلب من تجار التجزئة تكييف استراتيجياتهم وفقًا لذلك.
كاثرين بلاك، الشريكة في شركة كيرني، تتوقع “تعميق مشاركة المستهلكين” مع الذكاء الاصطناعي في عملية الشراء. وتضيف أن المزيد من المتسوقين سيعتمدون على الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من المهام، وأن تحسن قدرات تجار التجزئة ضمن هذه الأدوات سيؤدي إلى تسريع وتيرة الاعتماد.
التحول الحقيقي، كما يرى هوساناجار، سيحدث عندما يعتمد المستهلكون على وكيل مستقل للتسوق نيابة عنهم. في هذه الحالة، سيصبح تفاعل تجار التجزئة مع المستهلكين أقل مباشرة، وأكثر اعتمادًا على وكلاء الذكاء الاصطناعي. هذا يتطلب من تجار التجزئة فهم كيفية عمل هؤلاء الوكلاء، وكيفية التأثير عليهم لضمان تمثيلهم للعلامة التجارية بشكل صحيح.
في الختام، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لتحسين تجربة التسوق، بل هو قوة تحويلية تعيد تشكيل قطاع التجزئة بأكمله. على تجار التجزئة أن يتبنوا هذه التقنية بحذر، وأن يوازنوا بين الفرص التي تتيحها والمخاطر التي تنطوي عليها. النجاح في هذا العصر الجديد سيعتمد على القدرة على التكيف مع التغييرات، والاستثمار في حلول الذكاء الاصطناعي المبتكرة، وبناء علاقات قوية مع العملاء من خلال تقديم قيمة مضافة حقيقية.
