الطقس القاسي الذي تشهده الولايات المتحدة حاليًا أحدث اضطرابات كبيرة في حركة الطيران، وامتد تأثيره ليشمل جداول الرحلات والمسارات عالميًا. في ظل هذه الظروف الاستثنائية، تواجه شركات الطيران تحديًا متزايدًا في الاستجابة لاستفسارات العملاء بسرعة وفعالية، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات تشغيلية حاسمة مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة. ونتيجة لذلك، تتجه العديد من الشركات بشكل متزايد نحو الذكاء الاصطناعي كأداة أساسية للتغلب على هذه التحديات وتحسين كفاءتها التشغيلية بشكل عام.
الضغط على صناعة الطيران وتصاعد الحاجة إلى حلول مبتكرة
تسببت العواصف الثلجية والظروف الجوية القاسية في الولايات المتحدة في تأخير وإلغاء آلاف الرحلات الجوية، مما أدى إلى تعطيل خطط السفر لملايين الركاب. هذا الوضع يضع ضغوطًا هائلة على فرق خدمة العملاء، التي يجب أن تتعامل مع حجم كبير من الاستفسارات والشكاوى. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تعديل الجداول الزمنية وإعادة توجيه الطائرات قرارات سريعة ودقيقة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في ظل الظروف المتغيرة باستمرار.
هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في مساعدة شركات الطيران على التعامل مع هذه الأزمات بشكل أكثر فعالية. فالذكاء الاصطناعي لا يوفر فقط أدوات لتحليل البيانات والتنبؤ بالاضطرابات الجوية، بل يساعد أيضًا في أتمتة العديد من العمليات، مثل الاستجابة لاستفسارات العملاء وإدارة حركة الطائرات.
Air France-KLM: بناء “مصنع” للذكاء الاصطناعي
تعتبر شركة Air France-KLM من الشركات الرائدة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطيران. فقد قامت الشركة العام الماضي ببناء “مصنع” للذكاء الاصطناعي يعتمد على الحوسبة السحابية، بهدف تسريع وتيرة تطوير ونشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المنظمة.
وقد عقدت Air France-KLM شراكة مع كل من Accenture وGoogle Cloud لتطوير هذا المصنع، الذي يهدف إلى جعل عملية تطوير الذكاء الاصطناعي أكثر اتساقًا وقابلية لإعادة الاستخدام. وقد بدأت الشركة بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة من خلال استخدام هذا المصنع، حيث تمكنت من تحسين العمليات الأرضية، والهندسة، والصيانة، بالإضافة إلى تعزيز تجربة العملاء.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في Air France-KLM
أحد أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها Air France-KLM هو الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد تم استخدام هذه التقنية لتطوير مساعد افتراضي خاص بالشركة، بالإضافة إلى أدوات RAG (Retrieval-Augmented Generation) التي تربط نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) بقاعدة بيانات المعرفة الداخلية للشركة.
تساعد هذه الأدوات في دعم مهام مثل تشخيص وإصلاح أضرار الطائرات، وتقديم معلومات دقيقة وشاملة للموظفين. ووفقًا لمجموعة بوسطن الاستشارية، فإن نشر الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات يمكن أن يزيد من سرعة التطوير بأكثر من 35%.
يونايتد إيرلاينز: الذكاء الاصطناعي لتعزيز خدمة العملاء
تستكشف شركة يونايتد إيرلاينز أيضًا إمكانات الذكاء الاصطناعي في عملياتها. وقد صرح جيسون بيرنباوم، مدير تكنولوجيا المعلومات في الشركة، بأن الذكاء الاصطناعي يعتبر وسيلة “لتقصير دورات اتخاذ القرار” خلال العمليات غير الطبيعية، مثل تلك التي تسببت فيها موجة البرد الأخيرة.
بدأت يونايتد إيرلاينز رحلتها في مجال الذكاء الاصطناعي باستخدام تقنيات الرد الآلي على استفسارات الركاب. وعندما يتم تأخير الرحلات الجوية أو إلغاؤها، يتوقع العملاء الحصول على معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب. ومع ذلك، فإن الحفاظ على جودة الاتصال والالتزام بأسلوب الشركة المميز، والذي يركز على “كل رحلة لها قصة”، يمثل تحديًا كبيرًا خلال فترات التعطيل الطويلة.
استخدام نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) في يونايتد إيرلاينز
للتغلب على هذا التحدي، قامت يونايتد إيرلاينز بتطوير نموذج ذكاء اصطناعي قادر على إنشاء مسودات لرسائل العملاء بناءً على الحقائق الأساسية للرحلة، والمحادثات الجارية بين الموظفين والركاب، بالإضافة إلى بيانات الطقس.
وقد تم تدريب النموذج على فهم الفروق الدقيقة في أسلوب الاتصال الخاص بالشركة، والتأكيد على القيم الأساسية مثل السلامة. وقد أظهر النموذج قدرة فائقة على استرجاع بيانات الرحلات السابقة وتقديمها في سياق الوضع الحالي، مما يوفر للعملاء معلومات أكثر فائدة وشمولية.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاع الطيران
تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءًا لا يتجزأ من العمليات التشغيلية لشركات الطيران والمطارات بحلول عام 2030. فمن المتوقع أن تلعب هذه التقنية دورًا حاسمًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالجداول الزمنية، وتخصيص الطاقم، وتناوب الطائرات، ورعاية الركاب.
وتشير دراسات إلى أن شركات الطيران التي تدمج الذكاء الاصطناعي في جوهر أعمالها يمكن أن تحقق هوامش تشغيل أعلى بنسبة 5% إلى 6% مقارنة بنظيراتها. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل واجهات العملاء ذاتية الخدمة، إلى تخفيضات في التكاليف تصل إلى 30%.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار لشركات الطيران، بل هو ضرورة حتمية للبقاء في المنافسة وتحسين تجربة العملاء في عالم يتسم بالديناميكية والتغير المستمر. التحول الرقمي و تبني تقنيات مثل تعلم الآلة و معالجة اللغة الطبيعية سيضمن لشركات الطيران القدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية وتقديم خدمات أكثر كفاءة وموثوقية.
(مصدر الصورة: “الطائرة” من إنتاج Kuster & Wildhaber Photography مرخص بموجب CC BY-ND 2.0.)
هل ترغب في معرفة المزيد عن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة من قادة الصناعة؟ اطلع على معرض الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة الذي يقام في أمستردام وكاليفورنيا ولندن. يعد هذا الحدث الشامل جزءًا من TechEx ويقام في مكان مشترك مع الأحداث التكنولوجية الرائدة الأخرى. انقر هنا لمزيد من المعلومات.
