في السنوات الأخيرة، شهدنا تطورًا هائلاً في مجال الذكاء الاصطناعي، وامتد تأثيره ليشمل جوانب حياتنا المختلفة، بما في ذلك الإدارة المالية الشخصية. تشير أبحاث حديثة أجرتها شركة Cleo AI إلى أن الشباب بشكل خاص يتجهون نحو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة المالية، ومساعدتهم على تنظيم أموالهم، وبناء عادات مالية صحية ومستدامة. هذه الظاهرة تعكس تحديات اقتصادية متزايدة، بالإضافة إلى رغبة في تبسيط العمليات المالية المعقدة.
تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة الأموال
أظهرت دراسة شملت 5000 بالغ في المملكة المتحدة، تتراوح أعمارهم بين 28 و40 عامًا، أن الغالبية العظمى منهم يدخرون مبالغ أقل بكثير مما يطمحون إليه. هذا الواقع دفعهم للبحث عن حلول مبتكرة، وجعل أدوات إدارة الأموال المدعومة بالذكاء الاصطناعي خيارًا جذابًا. أفاد حوالي 20% من المشاركين بأنهم مهتمون باستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونهم المالية، بينما أعرب 12% آخرون عن حماسهم لهذا الاحتمال. هذا الاهتمام المتزايد يعكس إدراكًا متناميًا لإمكانات هذه التكنولوجيا في تحسين الوضع المالي.
ضعف الثقة بالنفس المالي والانضباط
على الرغم من الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي، إلا أن الدراسة كشفت عن ضعف الثقة بالنفس في مجال الإدارة المالية الشخصية. أكثر من ثلث المشاركين (37%) أقروا بصعوبة الالتزام بالادخار بسبب الإنفاق المندفع، مما يعيق قدرتهم على تحقيق أهدافهم المالية. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد أربعة من كل خمسة أشخاص أنهم بحاجة إلى تحسين معرفتهم المالية، مما يشير إلى وجود فجوة واضحة بين النية والسلوك الفعلي.
الفروقات العمرية في الرضا عن الادخار
أظهرت النتائج أيضًا اختلافات ملحوظة بين الفئات العمرية. فالبالغون الذين تتراوح أعمارهم بين 28 و34 عامًا كانوا أكثر رضا عن مدخراتهم بنسبة 15% تقريبًا مقارنة بأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و40 عامًا، كما أنهم يدخرون حوالي 33% أكثر شهريًا في المتوسط. يشير هذا التباين إلى أن الضغوط المالية تتزايد مع التقدم في العمر، بينما لا يتوفر الدعم الكافي لمواجهة هذه التحديات. هذا يؤكد على أهمية توفير حلول تخطيط مالي مخصصة تلبي احتياجات كل مرحلة عمرية.
الذكاء الاصطناعي كأداة لاستعادة السيطرة المالية
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في إدارة الأموال على أنه أداة واعدة يمكن أن تساعد الأفراد على استعادة السيطرة على شؤونهم المالية. أعرب العديد من المشاركين عن استعدادهم للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في المهام المالية الروتينية. فما يقرب من الثلثين (64%) يثقون في قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم المشورة بشأن الدخل المتاح، بينما يوافق أكثر من النصف على السماح للذكاء الاصطناعي بتحويل الأموال لتجنب السحب على المكشوف (54%) أو إدارة دفع الفواتير المنتظمة (52%).
الضغوط الاقتصادية كحافز للتبني
يرى بارني هوسي يو، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة Cleo، أن الضغوط الاقتصادية الهيكلية تلعب دورًا رئيسيًا في هذا التحول. فارتفاع تكاليف المعيشة، وركود الأجور، وتزايد الديون، يعني أن العديد من الأشخاص لا يسيئون إدارة أموالهم بقدر ما يفتقرون إلى الموارد المالية الكافية. في هذا السياق، تظهر أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد يومي عملي يمكنه التعامل مع مبالغ مالية محدودة، بدلاً من كونها مجرد أداة للتخطيط المالي الطموح.
الشباب في الصدارة، والثقة تتطلب إثباتًا
يتبنى البالغون الذين تتراوح أعمارهم بين 28 و34 عامًا أدوات الذكاء الاصطناعي المالية بثقة أكبر بنسبة 8% مقارنة بأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و40 عامًا. ومع ذلك، تظل الثقة عائقًا رئيسيًا، حيث يفضل حوالي ربع المشاركين (23%) البدء باستخدام محدود للتكنولوجيا، ويحتاجون إلى دليل ملموس على القيمة التي تقدمها قبل الالتزام الكامل. هذا يشير إلى أن تصميم المنتجات يجب أن يكون تدريجيًا، مع التركيز على إظهار الفوائد الملموسة للمستخدمين.
التفاوتات الإقليمية في المملكة المتحدة
كشفت الدراسة أيضًا عن تفاوتات إقليمية واضحة في المملكة المتحدة. فمتوسط الادخار الشهري في الجنوب الغني أعلى بنسبة 26% مقارنة بالشمال. كما أن سكان لندن يدخرون 33% أكثر من المتوسط الوطني، وبمبلغ يقارب 250 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا أكثر من سكان نورويتش. تُظهر هذه الفروقات أن الحلول المالية يجب أن تكون مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات والظروف المحلية.
الآثار المترتبة على صناع القرار في مجال التكنولوجيا المالية
الرسالة الأقوى من هذه الدراسة ليست الحماس للذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل هي الطلب المتزايد على الدعم المالي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. النسب المرتفعة التي تشير إلى ضعف الانضباط الذاتي (37%) وانخفاض الثقة في المعرفة المالية (80%) تؤكد أن المشكلة تكمن في التنفيذ وليس في الرغبة.
الثقة هي مفتاح التبني، ولكنها تتطلب إثباتًا. ففي حين أن الاستعداد لتفويض المهام الروتينية مثل تجنب السحب على المكشوف مرتفع، إلا أن ما يقرب من ربع المستخدمين يحتاجون إلى دليل إضافي قبل الالتزام الكامل. هذا يدعو إلى تصميم منتجات معياري، وتطبيقات محددة، بدلاً من الأتمتة الكاملة منذ البداية. التبني سيتحقق من خلال إثبات الفائدة، وليس من خلال العلامة التجارية.
إن التفاوتات العمرية والإقليمية تؤكد على أهمية توفير حلول إدارة مالية شخصية مخصصة تلبي احتياجات كل فرد ومجتمع. يجب على شركات التكنولوجيا المالية أن تأخذ في الاعتبار هذه الاختلافات عند تطوير منتجاتها وخدماتها، وأن تقدم حلولًا واقعية وفعالة تساعد الأفراد على تحقيق أهدافهم المالية.
