الذكاء الاصطناعي في البنوك: ضرورة استراتيجية وليست مجرد ابتكار
يشهد القطاع المصرفي تحولاً جذرياً مدفوعاً بالتقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي. لم يعد الأمر مجرد استكشاف للتقنيات الجديدة، بل أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الأساسية للبنوك الكبيرة، متجاوزاً نطاقه التقليدي في أنظمة الدفع، ومراكز البيانات، وضوابط المخاطر. هذا التحول ليس اختيارياً، بل ضرورة استراتيجية للبقاء والنمو في سوق تنافسي متزايد.
جيه بي مورجان تشيس: الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية أساسية
يتبنى بنك جيه بي مورجان تشيس رؤية واضحة حول أهمية الذكاء الاصطناعي، حيث يعتبره بنية تحتية لا يمكن الاستغناء عنها. وقد أكد الرئيس التنفيذي للبنك، جيمي ديمون، على هذا الموقف في تعليقاته الأخيرة، مبرراً زيادة ميزانية التكنولوجيا، محذراً في الوقت ذاته من أن المؤسسات التي تتجاهل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تخاطر بفقدان مكانتها التنافسية.
الجدال هنا لا يدور حول استبدال الموظفين، بل حول ضمان قدرة البنك على الحفاظ على كفاءته التشغيلية في صناعة تتطلب سرعة في الاستجابة، ونطاقاً واسعاً في الخدمات، وضبطاً دقيقاً في التكاليف. فالاستثمار في التكنولوجيا ليس جديداً على جيه بي مورجان، لكن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة هذا الإنفاق، محولاً المشاريع الابتكارية إلى تكاليف تشغيلية أساسية.
من التجريب إلى التطبيق الأساسي: تحول في الاستراتيجية
يشير هذا التحول في اللغة المستخدمة إلى تغيير أعمق في طريقة تقييم البنك للمخاطر. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل أصبح جزءاً من الأنظمة المطلوبة لمواكبة المنافسين الذين يتبنون الأتمتة في عملياتهم الداخلية.
بدلاً من الاعتماد على حلول الذكاء الاصطناعي العامة، يركز جيه بي مورجان على تطوير وإدارة منصاته الداخلية الخاصة. هذا القرار يعكس المخاوف طويلة الأمد في القطاع المصرفي بشأن أمن البيانات، وسرية معلومات العملاء، والالتزام بالمتطلبات التنظيمية الصارمة.
أهمية التحكم في البيانات والامتثال التنظيمي
تدرك البنوك جيداً أن الأخطاء في هذا المجال يمكن أن تكون مكلفة للغاية. أي نظام يتعامل مع بيانات حساسة أو يؤثر على القرارات المالية يجب أن يكون قابلاً للتدقيق والتفسير بشكل كامل. تعتبر أدوات الذكاء الاصطناعي العامة، التي يتم تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة وتحديثها باستمرار، تحدياً في هذا الصدد.
توفر الأنظمة الداخلية لجيه بي مورجان مستوى أعلى من التحكم، على الرغم من أنها قد تستغرق وقتاً أطول في التطوير والنشر. كما يقلل هذا النهج من خطر انتشار ما يسمى بـ “الذكاء الاصطناعي الظلي”، حيث يستخدم الموظفون أدوات غير معتمدة لتسريع العمل، مما قد يخلق ثغرات في الرقابة تلفت انتباه الجهات التنظيمية.
نهج حذر تجاه القوى العاملة وتأثير الذكاء الاصطناعي
يتسم بنك جيه بي مورجان بالحذر في طريقة تناوله لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف. لقد تجنب البنك إصدار أي تصريحات حول إمكانية تقليل عدد الموظفين بشكل كبير نتيجة لتبني الذكاء الاصطناعي. بدلاً من ذلك، يركز على تقديم الذكاء الاصطناعي كأداة لتقليل المهام اليدوية وتحسين الاتساق في العمليات.
المهام التي كانت تتطلب في السابق عدة جولات من المراجعة يمكن الآن إنجازها بشكل أسرع، مع بقاء الموظفين مسؤولين عن اتخاذ القرارات النهائية. هذا الإطار يضع الذكاء الاصطناعي في موقع الداعم وليس البديل، وهو أمر بالغ الأهمية في قطاع حساس للغاية للتأثيرات السياسية والتنظيمية.
حجم المؤسسة ومستقبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
إن حجم بنك جيه بي مورجان الضخم يجعل هذا النهج ممكناً. فالبنك يوظف مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم، وحتى التحسينات الطفيفة في الكفاءة، إذا تم تطبيقها على نطاق واسع، يمكن أن تؤدي إلى وفورات كبيرة في التكاليف على المدى الطويل.
يعترف جيمي ديمون بأن الاستثمار الأولي المطلوب لبناء وصيانة أنظمة الذكاء الاصطناعي الداخلية كبير. كما يدرك أن هذا الإنفاق قد يؤثر على الأداء المالي على المدى القصير، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية غير المستقرة. لكنه يرى أن تقليص الاستثمار في التكنولوجيا الآن قد يحسن الأرباح على المدى القصير، ولكنه في المقابل قد يضعف موقف البنك في المستقبل. لذلك، يتم التعامل مع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كنوع من التأمين ضد التخلف عن الركب.
ضغوط المنافسة والتوقعات المتزايدة
يعكس موقف جيه بي مورجان الضغوط التي يواجهها القطاع المصرفي بأكمله. فالمنافسون يستثمرون أيضاً في الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف الاحتيال، وتبسيط عمليات الامتثال، وتحسين التقارير الداخلية. ومع تزايد انتشار هذه الأدوات، ترتفع التوقعات بشكل طبيعي.
قد تتوقع الجهات التنظيمية من البنوك امتلاك أنظمة مراقبة متطورة. قد يتوقع العملاء استجابات أسرع وخدمات خالية من الأخطاء. في هذه البيئة، قد يبدو التخلف عن الركب في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مجرد حذر، بل سوء إدارة.
التحديات المستمرة: الحكم والمساءلة
لا يدعي بنك جيه بي مورجان أن الذكاء الاصطناعي سيحل جميع التحديات الهيكلية أو يلغي جميع المخاطر. فالعديد من مشاريع الذكاء الاصطناعي تواجه صعوبة في تجاوز التطبيقات المحدودة، ولا يزال دمجها في الأنظمة المعقدة يمثل تحدياً كبيراً.
يكمن العمل الأصعب في وضع آليات الحكم والمساءلة. يجب تحديد من يمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحت أي ظروف، وبأي مستوى من الإشراف. يجب أن تكون هناك مسارات واضحة لتصعيد الأخطاء، ويجب تحديد المسؤولية عندما تنتج الأنظمة مخرجات غير صحيحة.
في المؤسسات الكبيرة، لا يقتصر اعتماد الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى النماذج أو القدرة الحاسوبية، بل يعتمد أيضاً على العمليات والإجراءات والثقة. وبالنسبة للشركات الأخرى، يقدم نهج جيه بي مورجان نقطة مرجعية مفيدة: الذكاء الاصطناعي هو جزء من الآلية التي تحافظ على استمرار عمل المؤسسة.
قد يستغرق تحقيق العوائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سنوات، وقد لا تحقق بعض الاستثمارات النتائج المرجوة. ولكن، بالنسبة لجيه بي مورجان، فإن الخطر الأكبر يكمن في عدم بذل الجهد الكافي، وليس في بذل جهد أكبر من اللازم. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة للبقاء في صدارة المنافسة في عالم الخدمات المالية المتغير باستمرار.
