أحدثت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ثورة في عالم الإبداع، حيث أظهرت دراسة حديثة قدرتها على منافسة – وحتى التفوق على – القدرات الإبداعية البشرية في بعض المهام. قامت الدراسة، التي شملت أكثر من 100 ألف مشارك، بمقارنة نتائجهم مع نماذج لغوية كبيرة مثل ChatGPT و Claude و Gemini، وكشفت عن نتائج مثيرة للاهتمام حول حدود الإبداع البشري والآلي.
أظهرت النتائج أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتجاوز أداء الشخص العادي في مهام إبداعية محددة، ولكنها لا تزال بعيدة عن مستوى المبدعين المتميزين. تؤكد الدراسة أن الإبداع البشري الاستثنائي لا يزال يحتفظ بميزة واضحة، خاصةً في المهام التي تتطلب أصالة وتفكيرًا نقديًا عميقًا. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل العمل الإبداعي ودور الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.
تقييم الإبداع: كيف تم إجراء الدراسة؟
اعتمدت الدراسة على اختبار “الارتباط المتباعد” (Divergent Association Task – DAT)، وهو اختبار بسيط يتطلب من المشاركين توليد قائمة من الكلمات غير المرتبطة ببعضها البعض. كلما كانت الكلمات أكثر تباعدًا من الناحية الدلالية، ارتفعScore. تم اختيار هذا الاختبار لقدرته على قياس جانب معين من الإبداع وهو القدرة على توليد أفكار متنوعة وغير تقليدية.
ومع ذلك، يوضح الباحثون أن اختبار DAT يقيس شريحة محدودة من الإبداع، ولا يأخذ في الاعتبار جوانب أخرى مهمة مثل الذوق الفني، والتأثير العاطفي، ومدى ملاءمة الفكرة لجمهور معين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للنماذج الذكية توليد عدد كبير من الكلمات بسرعة، مما يجعلها قادرة على تحقيق نتائج جيدة في هذا الاختبار المحدد.
أين يتفوق البشر؟
أظهرت الدراسة أن الفارق بين أداء الذكاء الاصطناعي وأداء البشر يزداد كلما ارتفع مستوى الإبداع. بينما يمكن لبعض نماذج الذكاء الاصطناعي التفوق على متوسط أداء المشاركين، إلا أن النصف الأعلى من المشاركين، وخاصةً العشرة بالمائة الأوائل، حققوا نتائج أفضل بكثير. يشير هذا إلى أن الإبداع البشري المتميز يتجاوز مجرد القدرة على توليد أفكار متنوعة، ويتطلب مهارات إضافية مثل التفكير النقدي، والحدس، والقدرة على التمييز بين الأفكار الجيدة والأفكار السيئة.
في التطبيقات العملية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية لتوليد الأفكار بسرعة، ولكن لا يمكنه استبدال القدرة البشرية على تقييم هذه الأفكار واختيار الأفضل منها. لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حاليًا محاكاة عملية اتخاذ القرار المعقدة التي يقوم بها المبدعون البشريون، والتي تتضمن مراعاة السياق، والجمهور المستهدف، والأهداف المحددة.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإبداع
قام الفريق البحثي أيضًا بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي والبشر في مهام إبداعية أكثر تعقيدًا، مثل كتابة شعر الهايكو، وتلخيص الحبكات، وكتابة القصص القصيرة. في هذه المهام أيضًا، حافظ المبدعون البشريون على ميزتهم، حيث أظهروا قدرة أكبر على إنتاج محتوى أصيل ومؤثر. هذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يفتقر إلى القدرة على فهم الفروق الدقيقة في اللغة، والتعبير عن المشاعر، وإنشاء قصص مقنعة.
بالنسبة للمستخدمين، يوصي الباحثون بالتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة لتسريع عملية الإبداع، وليس كبديل للمبدع البشري. يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد مجموعة واسعة من الأفكار، ثم يمكن للمبدع البشري اختيار الأفكار الأفضل منها وتطويرها لتلبية احتياجاته الخاصة. من المهم أيضًا مراقبة التطورات المستمرة في نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث أن هذه النماذج تتحسن باستمرار.
تعتبر النماذج اللغوية الكبيرة أداة قوية، ولكنها ليست بديلاً عن الإبداع البشري. يجب استخدامها بحكمة، مع التركيز على نقاط قوتها وتجنب الاعتماد عليها بشكل كامل.
من المتوقع أن يستمر البحث في هذا المجال، مع التركيز على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على محاكاة الإبداع البشري. سيشمل ذلك تطوير نماذج قادرة على فهم السياق، والتعبير عن المشاعر، وإنشاء قصص مقنعة. ومع ذلك، من غير المرجح أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من استبدال الإبداع البشري تمامًا، حيث أن الإبداع البشري يتضمن عناصر فريدة من الخبرة، والحدس، والتفكير النقدي التي يصعب محاكاتها.
