أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي قادراً على إعادة إحياء أصوات وصور المتوفين، مما يثير جدلاً متزايداً حول الاستخدام الأخلاقي لهذه التقنية. لم يعد النقاش يدور حول مدى واقعية هذه الإعادة، بل حول تبعات إعادة بناء شخصية الفرد وحضوره العاطفي في شيء قابل لإعادة الاستخدام، وهو ما يطلق عليه الباحثون “العمل الطيفي”.
أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثان من الإعلام الجديد والمجتمع أن هذه الظاهرة تتزايد بسرعة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا. تستكشف الدراسة حالات استخدام متعددة للذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء المتوفين، وتثير تساؤلات حول الموافقة والخصوصية وحقوق الملكية الفكرية.
الذكاء الاصطناعي التوليدي والعمل الطيفي: نظرة متعمقة
يشير مفهوم “العمل الطيفي” إلى استمرار الشخص في “العمل” من خلال بياناته حتى بعد وفاته، وهو ما يمكن أن يحدث دون موافقة أو حماية قانونية واضحة. وفقًا للدراسة، يمكن تقسيم استخدامات الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء المتوفين إلى ثلاث فئات رئيسية: العروض الترفيهية، والاستخدامات الاجتماعية والسياسية، والاستخدامات الشخصية للتغلب على الحزن.
تصنيفات حالات إعادة الإحياء الرقمية
العروض الترفيهية تتضمن إعادة إحياء شخصيات مشهورة للترفيه عن الجمهور. بينما تستخدم الاستخدامات الاجتماعية والسياسية الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء المتوفين للإدلاء بشهاداتهم أو إيصال رسائل معينة. أما الاستخدامات الشخصية، فهي الأكثر شيوعاً وتتضمن برامج الدردشة الآلية والوسائط الاصطناعية المصممة لمحاكاة التواصل مع المتوفى.
تكمن المشكلة الرئيسية في أن هذه التقنيات تحول حضور الشخص إلى منتج قابل للبيع، حيث تصبح بياناته ومظهره مادة خام يمكن استغلالها وتحقيق الربح منها. وهذا يثير تساؤلات حول من يملك الحق في استخدام هذه البيانات وكيف يمكن حماية خصوصية المتوفى.
الوكالة والتحكم في الهوية الرقمية بعد الوفاة
لا يقتصر القلق على مدى واقعية هذه الإعادة، بل يتعلق أيضاً بفقدان الوكالة والتحكم في الهوية الرقمية. قد تبدو هذه النسخ الرقمية وكأنها تعبر عن شخصية المتوفى، ولكنها في الواقع تعتمد على مطالبات وتعديلات وقواعد النظام الأساسي الذي تم إنشاؤها عليه. وهذا يعني أن النسخة الرقمية قد لا تعكس بدقة آراء أو قيم المتوفى.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء المتوفين إلى انتشار المعلومات المضللة أو التلاعب بالرأي العام. على سبيل المثال، يمكن استخدام نسخة رقمية من شخصية سياسية لإصدار بيانات كاذبة أو التأثير على الانتخابات.
تحديات قانونية وتنظيمية
تفتقر التشريعات الحالية إلى معالجة هذه القضايا الجديدة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي التوليدي. الحكومات والهيئات التنظيمية تكافح لمواكبة التطور السريع لهذه التقنيات. هناك حاجة إلى قوانين جديدة تحمي خصوصية المتوفى وتضمن حصول أسرهم على الحق في التحكم في بياناتهم الرقمية.
توصي الدراسة بإعادة التفكير في خيارات الموافقة والخصوصية المتعلقة بالبيانات الشخصية، بالإضافة إلى وضع إرشادات واضحة حول كيفية التعامل مع البيانات الرقمية بعد الوفاة. يجب على الأفراد أيضاً اتخاذ خطوات لحماية أصولهم الرقمية، مثل تحديد من يمكنه الوصول إلى حساباتهم وصورهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم.
المستقبل والخطوات التالية
من المتوقع أن يستمر استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء المتوفين في النمو في السنوات القادمة. في الوقت الحالي، تعمل العديد من الشركات على تطوير تقنيات جديدة تسمح بإنشاء نسخ رقمية أكثر واقعية وتفاعلية. من المرجح أن نشهد المزيد من النقاشات حول الجوانب الأخلاقية والقانونية لهذه التقنيات في المستقبل القريب.
من المتوقع أن تقوم الهيئات التنظيمية في مختلف البلدان بتقييم هذه التطورات ووضع قوانين جديدة بحلول نهاية عام 2025. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين حول كيفية تنظيم هذه التقنيات بشكل فعال، وما هي الحدود التي يجب وضعها لضمان حماية حقوق الأفراد وخصوصيتهم.
