يشهد نظام الإدارة الضريبية في سوريا تحولاً رقمياً متسارعاً، مدفوعاً بتعديلات تشريعية وتقنية تهدف إلى زيادة الكفاءة والشفافية وتحسين تجربة دافعي الضرائب. هذا التحول الرقمي، الذي يمثل محوراً أساسياً في الإصلاح الضريبي، برز خلال اجتماع مجلس إدارة الهيئة العامة للضرائب والرسوم برئاسة وزير المالية محمد يسر برنية.
الجهود الحالية تركز على تحديث البنية التحتية المؤسسية وتبني تقنيات حديثة في جميع جوانب العمل الضريبي. ويهدف هذا التوجه إلى تبسيط الإجراءات وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية، مما يساهم في مكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الإيرادات العامة. وتأتي هذه الخطوات في ظل الحاجة المتزايدة لتحسين إدارة الموارد المالية للدولة.
التحول الرقمي في صلب الإصلاح الضريبي
أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو إعادة هيكلة الكادر الإداري للهيئة العامة للضرائب والرسوم، مع إضافة معاون جديد للمدير العام لشؤون التحول الرقمي. يعكس هذا التعيين الأهمية التي توليها الهيئة لدمج التقنيات الحديثة في عملياتها الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل على إعادة هندسة الإجراءات الداخلية لتحقيق التكامل بين الأنظمة المختلفة.
وتشمل التعديلات التشريعية المرتقبة قوانين جديدة للضريبة على الدخل، وضريبة المبيعات، وضريبة البيوع العقارية، ورسم الطابع. تتطلب هذه التشريعات بنية رقمية متطورة وقواعد بيانات دقيقة لضمان تطبيقها بشكل عادل وفعال. ووفقاً لمصادر في وزارة المالية، فإن هذه القوانين الجديدة ستساهم في تبسيط النظام الضريبي وتسهيل الامتثال.
المنصة الجمركية والفاتورة الإلكترونية
تولي الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اهتماماً خاصاً بتطوير المنصة الوطنية الجمركية. تهدف هذه المنصة إلى أتمتة إجراءات التخليص الجمركي وتسريعها، مما يقلل من التكاليف والوقت اللازمين للمستوردين. ومن المتوقع أن تساهم هذه المنصة في زيادة الإيرادات الجمركية وتحسين كفاءة التجارة الخارجية.
كما تعتبر الفاتورة الإلكترونية وأنظمة الدفع الإلكتروني من الركائز الأساسية في مشروع التحول الرقمي الشامل. يسمح اعتماد هذه الأدوات بتتبع العمليات المالية بشكل لحظي، مما يحد من التهرب الضريبي ويعزز دقة البيانات. بالإضافة إلى ذلك، تتيح هذه الأدوات إجراء تحليلات أعمق لدعم اتخاذ القرارات المالية.
تبسيط الإجراءات وتحسين تجربة دافعي الضرائب
يجري العمل على تبسيط إجراءات السلفة الضريبية وبراءة الذمة على المستوردات، بهدف تحقيق التوازن بين ضمان حقوق الخزينة العامة وتسهيل العمليات التجارية. ويعكس هذا التوجه فهماً متزايداً لأهمية تجربة المستخدم، سواء كان فرداً أو شركة. وتهدف الهيئة إلى جعل الإجراءات الضريبية أكثر سهولة ووضوحاً لجميع دافعي الضرائب.
وتخطط الهيئة لإطلاق حملة إعلامية توعوية لشرح التعديلات الجديدة ومزاياها. تهدف هذه الحملة إلى تشجيع دافعي الضرائب على تبني الأنظمة الرقمية الجديدة والاستفادة منها. ويعتبر تبني المستخدمين للأنظمة الرقمية عاملاً حاسماً في نجاح مشروع التحول الرقمي.
الحوكمة الرقمية ومؤشرات الأداء
أكد الاجتماع على أهمية اعتماد مؤشرات أداء واضحة لقياس مستوى الإنجاز في مديريات المالية، وربطها بالحوافز والمساءلة. يتماشى هذا النهج مع أفضل الممارسات في الحوكمة الرقمية، حيث تعتمد المؤسسات الحديثة على البيانات في تقييم الأداء وتحسينه بشكل مستمر. ويهدف هذا الإجراء إلى زيادة الشفافية والمساءلة في العمل الضريبي.
بالإضافة إلى ذلك، يتم التركيز على تأهيل الكوادر البشرية وتعزيز النزاهة وضبط السلوك الوظيفي. تعتبر هذه العناصر حاسمة لنجاح أي مشروع تحول رقمي، حيث لا يمكن للتكنولوجيا وحدها تحقيق النتائج المرجوة دون بيئة تنظيمية داعمة وكفاءات قادرة على إدارتها.
شراكة مع القطاع الخاص
يعكس تشكيل مجلس إدارة الهيئة بصيغته الجديدة، مع ضم ممثلين عن القطاع الخاص للمرة الأولى، توجهًا نحو بناء شراكة أعمق بين الحكومة وقطاع الأعمال. تتيح هذه الخطوة الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في تطوير الحلول الرقمية وتطبيقها بكفاءة. ومن المتوقع أن تساهم هذه الشراكة في تسريع عملية التحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات المقدمة.
بشكل عام، تتشكل ملامح استراتيجية رقمية شاملة للقطاع الضريبي في سوريا، ترتكز على تحديث التشريعات وأتمتة العمليات وتبني أدوات رقمية مثل الفاتورة الإلكترونية والدفع الرقمي. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة الجهات المعنية على تنفيذها بتكامل، وضمان جاهزية البنية التحتية، وبناء ثقة المستخدمين. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن تفاصيل الخطة التنفيذية للاستراتيجية الرقمية خلال الأشهر القليلة القادمة.
