في خضم السباق المحموم نحو التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، تتصاعد التوترات الجيوسياسية مع محاولات بعض الشركات الصينية تجاوز القيود الأمريكية المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة. كشفت تقارير حديثة عن لجوء شركة DeepSeek الصينية إلى أساليب معقدة للحصول على رقائق إنفيديا المحظورة، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه القيود وتأثيرها على مستقبل التكنولوجيا. هذا المقال يتناول تفاصيل هذه القضية، والخطوات التي تتخذها الشركات الصينية، وردود فعل الشركات المعنية.
DeepSeek وتجاوز القيود: كيف تحصل الصين على الرقائق المحظورة؟
أفادت مصادر إعلامية، وعلى رأسها موقع “ذا إنفورميشن” التقني، بأن شركة DeepSeek، وهي شركة صينية ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، قد نجحت في الحصول على رقائق Blackwell المتطورة من إنفيديا، على الرغم من حظر تصديرها إلى الصين. لم يتم الكشف عن التفاصيل الدقيقة لكيفية إتمام هذه العملية، ولكن التقرير يشير إلى أن الرقائق تم تهريبها عبر دول وسيطة، حيث تم تثبيتها أولاً في مراكز بيانات خارجية قبل تفكيكها ونقلها إلى الصين.
دور شركات تصنيع الخوادم في التهريب
يبدو أن شركات تصنيع الخوادم لعبت دورًا محوريًا في هذه العملية. فبعد تثبيت الرقائق في مراكز البيانات الخارجية، كانت تُفكك وتُنقل إلى الصين بعد تجاوز عمليات التفتيش. هذه الطريقة المعقدة تهدف إلى إخفاء مصدر الرقائق وتجنب الرقابة الأمريكية الصارمة.
القيود الأمريكية على تصدير الرقائق وأثرها على الشركات الصينية
فرضت الولايات المتحدة قيودًا مشددة على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، بهدف الحد من قدرتها على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على منافسة الشركات الأمريكية. هذه القيود تأتي في إطار سعي واشنطن للحفاظ على ريادتها في هذا المجال الحيوي.
نتيجة لهذه القيود، اضطرت الشركات الصينية إلى البحث عن بدائل، بما في ذلك اللجوء إلى مراكز البيانات الخارجية، أو استخدام أساليب التهريب، أو حتى شراء الرقائق من السوق السوداء. هذه الإجراءات تزيد من تكلفة التطوير وتعرقل عملية الابتكار.
التحقيقات الأمريكية وردود فعل الشركات المعنية
في نوفمبر الماضي، وجه الادعاء الأمريكي اتهامات لأربعة أشخاص – اثنين من الصين واثنين من الولايات المتحدة – بالتورط في مخطط لتهريب الرقائق إلى الصين عبر ماليزيا، وذلك باستخدام شركة عقارية وهمية. هذه القضية تؤكد مدى جدية الجهود المبذولة لفرض القيود الأمريكية.
من جهتها، رفضت DeepSeek التعليق على هذه التقارير. في المقابل، أكدت إنفيديا في بيان أنها “لم تتلق أي دلائل أو بلاغات” بشأن عمليات التهريب الموصوفة، مضيفةً أن “مثل هذه العمليات تبدو مستبعدة”. ومع ذلك، أوضحت إنفيديا أنها تتابع أي بلاغ يصلها وتتعاون مع السلطات المختصة. هذا الموقف الحذر يعكس حساسية الموضوع وتداعياته المحتملة.
صعود DeepSeek والتمويلات المبكرة
ظهرت DeepSeek إلى الواجهة في يناير الماضي بعد أن قدمت نموذج ذكاء اصطناعي أظهر قدرات تنافسية مع أبرز النماذج الصادرة من الولايات المتحدة. وقد أشارت الشركة إلى أنها نجحت في تطوير هذا النموذج بتكلفة أقل بكثير من منافسيها، مما أثار تساؤلات حول مصادر تمويلها وكيفية حصولها على الموارد اللازمة.
الشركة كانت قد تلقت تمويلًا كبيرًا من صندوق التحوط الصيني High-Flyer، الذي جمع 10 آلاف رقاقة من إنفيديا في عام 2021 قبل بدء القيود الأمريكية. هذا التمويل المبكر ساهم بشكل كبير في تسريع عملية تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لدى DeepSeek.
تخفيف القيود بشكل محدود وتوجهات الصين نحو الاكتفاء الذاتي
في تطور لافت، منح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هذا الأسبوع شركة إنفيديا تصريحًا محدودًا يسمح لها بتصدير نسخة أقدم من رقاقات الذكاء الاصطناعي، وهي رقاقات H200، إلى الصين. هذا الإجراء قد يُنظر إليه على أنه محاولة لتخفيف التوترات التجارية مع الصين، ولكنه لا يغير من حظر تصدير النسخة العالية الأداء Blackwell.
في المقابل، تسعى الصين جاهدةً إلى دفع شركات التكنولوجيا المحلية للاعتماد على رقائق محلية في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. هذا التوجه يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية. وقد أعلنت DeepSeek في سبتمبر الماضي عن طرح نموذج جديد، مؤكدةً أنها تعمل بالتعاون مع شركات تصنيع رقائق صينية لتحقيق هذا الهدف. الاستثمار في تطوير الرقائق المحلية هو جزء أساسي من استراتيجية الصين طويلة الأجل في مجال التكنولوجيا.
مستقبل سباق الذكاء الاصطناعي والتحديات القادمة
تُظهر قضية DeepSeek مدى تعقيد سباق الذكاء الاصطناعي والتحديات التي تواجهها الشركات الصينية في ظل القيود الأمريكية. من الواضح أن الصين عازمة على مواصلة تطوير قدراتها في هذا المجال، حتى لو اضطرت إلى اللجوء إلى أساليب غير تقليدية.
ومع ذلك، فإن الاعتماد على الرقائق المهربة أو القديمة قد يؤثر سلبًا على جودة وأداء نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية. لذلك، فإن الاستثمار في تطوير الرقائق المحلية يمثل الحل الأمثل على المدى الطويل.
في الختام، يظل مستقبل سباق الذكاء الاصطناعي غير واضح، ولكن من المؤكد أنه سيشهد المزيد من التطورات والمفاجآت في الأشهر والسنوات القادمة. من المهم متابعة هذه التطورات عن كثب، وفهم التحديات والفرص التي تتيحها. هل ستنجح الصين في تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الرقائق؟ وهل ستتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على ريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ملامح المستقبل التكنولوجي.
