بعد سنوات من التراجع، تشهد شركة نوكيا تحولاً استراتيجياً مهماً يعيدها إلى دائرة الضوء، ولكن هذه المرة ليس في مجال الهواتف المحمولة، بل كلاعب رئيسي في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. يأتي هذا التحول عقب استثمار ضخم بقيمة مليار دولار من شركة إنفيديا، في إطار شراكة تهدف إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات على مستوى العالم، مما يعزز مكانة نوكيا في سوق متنامية الأهمية.
هذا الاستثمار يمثل نقطة تحول حاسمة لشركة فنلندية كانت ذات يوم رائدة في صناعة الهواتف المحمولة، لكنها واجهت صعوبات كبيرة مع ظهور منافسين جدد مثل آبل وأندرويد. تسعى نوكيا الآن إلى إعادة تعريف نفسها من خلال التركيز على مجالات النمو المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والشبكات المتقدمة.
عودة نوكيا: من رنين الهواتف إلى بنية الذكاء الاصطناعي
لطالما ارتبط اسم نوكيا بنغمة الرنين المميزة التي كانت تُسمع في كل مكان تقريباً في بداية الألفية الجديدة. تشير التقديرات إلى أن هذه النغمة، المقتبسة من مقطوعة “Gran Vals”، كانت تُعزف حوالي 1.8 مليار مرة يومياً في عام 2009، مما يعكس هيمنة الشركة على سوق الهواتف المحمولة في ذلك الوقت.
ذروة الهيمنة وتراجعها
بلغت نوكيا ذروتها في أواخر التسعينيات واستمرت حتى عام 2008، حيث كانت تمثل رمزاً للابتكار في عالم الهواتف المحمولة. ومع ذلك، لم تتمكن الشركة من التكيف بسرعة كافية مع التغيرات الجذرية التي أحدثتها الهواتف الذكية، مما أدى إلى تراجع حاد في حصتها السوقية.
يرى محللون أن عدم قدرة نوكيا على تطوير نظام تشغيل قادر على منافسة iOS وأندرويد كان من الأسباب الرئيسية لفقدانها الصدارة. فقد أدى هذا التأخر إلى خسارة ثقة المستهلكين وتفضيلهم للمنصات الجديدة التي قدمت تجربة مستخدم أكثر تطوراً.
في عام 2000، استحوذت نوكيا على 26.4% من سوق الهواتف العالمية، وبلغت قيمتها السوقية 286 مليار يورو، مساهمةً بنسبة 4% من الناتج المحلي الإجمالي لفنلندا، وفقاً لبيانات مؤسسة CCS Insight. كما باعت الشركة أكثر من 126 مليون وحدة من هاتف Nokia 3310 الشهير، الذي اشتهر بمتانته ولعبة “الثعبان” الشهيرة.
الشراكة مع مايكروسوفت والتحول إلى الشبكات
في محاولة لإنقاذ الموقف، دخلت نوكيا في شراكة مع مايكروسوفت عام 2011، واعتمدت نظام Windows Phone في هواتفها من سلسلة Lumia. لكن هذه الخطوة لم تحقق النجاح المرجو، واعتبرت بمثابة محاولة أخيرة فاشلة للحفاظ على مكانتها في سوق الهواتف الذكية.
في عام 2014، باعت نوكيا قسم الأجهزة والخدمات إلى مايكروسوفت مقابل 5.4 مليار يورو، بعد أن انخفضت إيراداتها بشكل كبير من 37.7 مليار يورو في عام 2007 إلى 10.7 مليار يورو فقط.
بعد بيع قسم الهواتف، بدأت نوكيا في التركيز على مجال شبكات الاتصالات، وهو المجال الذي كانت تمتلك فيه بالفعل خبرة كبيرة. وقد شكل استحواذ الشركة على حصة سيمنس في مشروع الشبكات المشترك عام 2013، واستحواذها على Alcatel-Lucent عام 2015، حجر الزاوية في هذا التحول الاستراتيجي.
التحديات والمنافسة في سوق الشبكات
على الرغم من هذا التحول، واجهت نوكيا منافسة شرسة من شركات صينية مثل هواوي و ZTE، اللتين تمكنتا من الفوز بعقود كبيرة مع شركات الاتصالات الأوروبية. وقد أدى هذا الضغط إلى تآكل حصة نوكيا في سوق معدات شبكات الاتصالات، مما أثار تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على موقعها.
ومع ذلك، استمرت نوكيا في الاستثمار في تطوير تقنيات جديدة، مثل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والشبكات البصرية، بهدف تعزيز قدراتها التنافسية.
الاستثمار من إنفيديا والتركيز على الذكاء الاصطناعي
في خطوة تعكس الثقة في مستقبل نوكيا، أعلنت إنفيديا في أكتوبر الماضي عن استثمار بقيمة مليار دولار في الشركة، بالإضافة إلى شراكة استراتيجية لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات. يهدف هذا التعاون إلى تطوير حلول مبتكرة تعزز أداء الشبكات وتقلل من استهلاك الطاقة وتوفر تجربة أفضل للمستخدمين.
أدى هذا الإعلان إلى ارتفاع سهم نوكيا بنحو 25%، وارتفعت قيمتها السوقية إلى حوالي 32 مليار يورو. على الرغم من أن هذه القيمة لا تزال أقل من قيمتها السوقية في عصر الهواتف الكلاسيكية، إلا أنها تشير إلى تحسن كبير في وضع الشركة.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد يعرض نوكيا لمخاطر سوقية كبيرة، خاصةً في ظل المنافسة المتزايدة من شركات مثل Cisco و Ciena.
من المتوقع أن تركز نوكيا في الفترة المقبلة على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي لشبكات الجيل الخامس والسادس، بالإضافة إلى توسيع نطاق خدماتها في مجال الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. سيكون من المهم مراقبة قدرة الشركة على تنفيذ هذه الاستراتيجية وتحقيق أهدافها في ظل التغيرات التكنولوجية والسياسية المتسارعة.
