في ظاهرة تثير القلق العلمي، أظهرت دراسة حديثة ارتفاعًا ملحوظًا في تركيز ذرات الليثيوم في الغلاف الجوي العلوي للأرض، وذلك بعد إعادة دخول غير منضبطة لصاروخ فالكون 9 في فبراير 2025. هذه الزيادة، التي بلغت عشرة أضعاف المستويات الطبيعية، تسلط الضوء على التأثير المتزايد لـالحطام الفضائي على كيمياء الغلاف الجوي، وتدعو إلى مزيد من البحث في هذا المجال الناشئ.
وقع الحدث في 19 فبراير 2025، عندما سقط صاروخ فالكون 9 باتجاه الأرض، مما أدى إلى إنتاج كرة نارية ضخمة في سماء أوروبا. تمكن فريق من الباحثين في ألمانيا، باستخدام محطة ليدار في ولاية ساكسونيا، من رصد وقياس تأثير عودة الصاروخ على الغلاف الجوي، وهو ما يمثل فرصة فريدة لدراسة هذه الظاهرة.
تأثير الحطام الفضائي على الغلاف الجوي
عندما تعود المركبات الفضائية إلى الغلاف الجوي، فإنها تتفكك وتتحلل إلى شظايا أصغر، مما يؤدي إلى إطلاق معادن مختلفة في الغلاف الجوي العلوي. تشمل هذه المعادن الليثيوم والألومنيوم والنحاس، وهي مواد تستخدم بشكل شائع في بناء الصواريخ والمركبات الفضائية. وفقًا للدراسة المنشورة في مجلة Nature، فإن الليثيوم يعتبر مؤشرًا فعالًا لتتبع تلوث الحطام الفضائي.
اختيار الليثيوم لم يكن عشوائيًا. أوضح الباحثون أن الليثيوم يوفر توازنًا جيدًا بين الإشارة المتوقعة والتحديات التقنية المرتبطة بقياسه باستخدام تقنية الليدار. كما أن وجود الليثيوم في سبائك الألومنيوم والليثيوم المستخدمة في الصواريخ يجعله هدفًا مناسبًا للرصد.
قياسات دقيقة باستخدام تقنية الليدار
استخدم فريق العلماء تقنية الليدار، وهي نظام استشعار عن بعد يعتمد على الليزر، لقياس تركيز ذرات الليثيوم في الغلاف الجوي. أظهرت القياسات زيادة مفاجئة في تركيز الليثيوم، وصلت إلى عشرة أضعاف القيمة الأساسية، في منطقة تمتد من حوالي 58 إلى 60 ميلاً (94 إلى 97 كيلومترًا) فوق مستوى سطح البحر. تم رصد هذا العمود من الليثيوم لمدة 27 دقيقة قبل توقف جمع البيانات.
قام الباحثون بتتبع مسار عمود التلوث وربطه بالمسار غير المتحكم فيه لصاروخ فالكون 9 أثناء عودته إلى الغلاف الجوي، مما يؤكد أن الصاروخ هو مصدر الزيادة في تركيز الليثيوم. هذا الارتباط القوي يعزز من أهمية الدراسة ويوفر دليلًا ملموسًا على تأثير الحطام الفضائي.
بالإضافة إلى الليثيوم، تشير الدراسات السابقة إلى أن الألومنيوم والنحاس والرصاص الناتجة عن عودة المركبات الفضائية تتجاوز بالفعل التدفق الطبيعي لهذه المعادن إلى الغلاف الجوي. هذا يشير إلى أن التلوث الناتج عن الأنشطة الفضائية يتراكم بمرور الوقت.
مستقبل الأبحاث والتحديات
على الرغم من أن مخاطر سقوط الحطام الفضائي على الأرض معروفة جيدًا، إلا أن تأثير عودة المركبات الفضائية على الغلاف الجوي العلوي لا يزال غير مفهوم بشكل كامل. تثير هذه الدراسة الجديدة تساؤلات مهمة حول التأثيرات طويلة المدى لهذه التغييرات في كيمياء الغلاف الجوي على الحياة على الأرض.
لا يزال من غير الواضح كيف ستؤثر هذه التغييرات على المناخ أو على العمليات الكيميائية الحيوية في الغلاف الجوي. ومع ذلك، يرى الباحثون أن هناك سببًا كافيًا للقلق، ويؤكدون على الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد التأثيرات المحتملة على كوكبنا. التلوث الفضائي يمثل تحديًا جديدًا يتطلب دراسة متأنية.
أشار الباحثون إلى أن هناك العديد من العناصر الموجودة في المركبات الفضائية والتي لا توجد بشكل طبيعي في الغلاف الجوي، مما يجعل من الصعب تقييم تأثيرها. يتطلب فهم هذه التأثيرات المزيد من البحث في المعادن الموجودة في الغلاف الجوي وكيفية ارتباطها بالتلوث الناتج عن عودة المركبات الفضائية. إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي تتطلب الآن تقييمًا بيئيًا.
من المتوقع أن تواصل وكالات الفضاء والباحثون مراقبة الغلاف الجوي العلوي وتقييم تأثير الحطام الفضائي. سيتم التركيز على تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بتأثيرات عودة المركبات الفضائية على كيمياء الغلاف الجوي. من المرجح أن يتم نشر المزيد من الدراسات في السنوات القادمة، مما يوفر فهمًا أعمق لهذه القضية الناشئة. الاستدامة الفضائية أصبحت ضرورة ملحة.
