أفادت تقارير حديثة بتزايد استخدام العملات المستقرة، وعلى رأسها تيثر (USDT)، في عمليات التحايل على العقوبات الدولية، مما يثير تساؤلات حول دور هذه العملات في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية. وتأتي هذه التقارير في ظل زيادة التدقيق التنظيمي على صناعة العملات المشفرة، وتحديدًا فيما يتعلق بالشفافية والامتثال لقوانين مكافحة غسل الأموال.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن أن شركة النفط الفنزويلية PdVSA بدأت في طلب المدفوعات بعملة تيثر (USDT) منذ عام 2020، حيث تصل نسبة المدفوعات التي تتم بهذه العملة الآن إلى 80٪ من إجمالي عائدات النفط في البلاد. بالتزامن مع ذلك، قامت Tether بتجميد ما قيمته 182 مليون دولار من USDT في خمسة عناوين مختلفة على بلوك تشين TRON، على الرغم من أن العلاقة المباشرة بهذه الحالات مع تجنب العقوبات الفنزويلية لا تزال غير واضحة.
العملات المستقرة وتجنب العقوبات: نظرة متعمقة
تُعد العملات المستقرة، على عكس البيتكوين، مرتبطة بقيمة أصول تقليدية مثل الدولار الأمريكي، مما يجعلها أقل تقلبًا وأكثر جاذبية للاستخدام في المعاملات اليومية. ومع ذلك، فإن هذا الارتباط يعني أيضًا أنها تخضع لرقابة من قبل الجهات المصدرة، والتي لديها القدرة على تجميد أو حظر المعاملات، كما رأينا في حالة Tether.
فنزويلا والتهرب من العقوبات
تستخدم فنزويلا العملات المستقرة كوسيلة للتحايل على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى تقويض نظام الرئيس نيكولاس مادورو. يسمح استخدام USDT لـ PdVSA بتلقي المدفوعات مقابل النفط دون المرور عبر النظام المالي التقليدي، الذي يخضع لرقابة صارمة.
توسع نطاق الاستخدام عالميًا
لا تقتصر هذه الظاهرة على فنزويلا. وفقًا لشركة Chainalysis لتحليلات البلوكشين، فإن الدول القومية كانت وراء جزء كبير من الزيادة الكبيرة في عمليات نقل العملات المشفرة غير المشروعة العام الماضي. في عام 2025، مثلت المعاملات غير المشروعة 84٪ من إجمالي تدفقات العملات المشفرة، مما يشير إلى أن العملات المستقرة أصبحت أداة مفضلة للمهربين وغاسلي الأموال.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت TRM Labs الأسبوع الماضي عن استخدام بورصتين للعملات المشفرة في المملكة المتحدة لتسهيل تمويل الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، حيث لعبت USDT دورًا محوريًا في هذه العمليات. هذه الحالات تثير مخاوف بشأن قدرة الجهات الخاضعة للعقوبات على الاستفادة من العملات المستقرة لتجاوز القيود المفروضة عليها.
تأثير العملات المستقرة على السياسة النقدية
يرى بعض الخبراء أن الاعتماد المتزايد على العملات المستقرة يمكن أن يقوض فعالية العقوبات الاقتصادية، مما يجعل من الصعب على الدول فرض إرادتها على الدول الأخرى. ومع ذلك، يرى آخرون أن العملات المستقرة يمكن أن تكون أداة مفيدة لتعزيز الشفافية والرقابة على المعاملات المالية، خاصة إذا تم تطوير أنظمة فعالة لتتبع وتحديد هوية المستخدمين.
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أشار سابقًا إلى أن القيمة الرئيسية للعملات المستقرة تكمن في قدرتها على زيادة الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، والتي تشكل أساس احتياطيات معظم هذه العملات. هذا يعني أن انتشار العملات المستقرة يمكن أن يعزز أيضًا الهيمنة النقدية للولايات المتحدة على مستوى العالم.
في المقابل، هناك دول مثل روسيا والصين تسعى إلى تطوير بدائل للعملات المستقرة القائمة على الدولار الأمريكي، بهدف تقليل اعتمادها على النظام المالي الأمريكي. تعتبر روسيا أن الولايات المتحدة قد تستخدم العملات المشفرة والعملات المستقرة لإلغاء ديونها البالغة 35 تريليون دولار، بينما تعمل الصين على تعزيز استخدام عملتها الرقمية (اليوان الرقمي) في التجارة الدولية.
على الرغم من المخاطر المحتملة، لا تزال العملات المشفرة والعملات المستقرة تمثل فرصة للابتكار المالي والنمو الاقتصادي. ومع ذلك، من الضروري تطوير إطار تنظيمي شامل يضمن حماية المستثمرين ومنع استخدام هذه التقنيات في أنشطة غير قانونية.
من المتوقع أن تشهد صناعة العملات المشفرة تطورات تنظيمية كبيرة في الأشهر القادمة، مع تركيز خاص على العملات المستقرة. سيكون من المهم مراقبة كيفية استجابة الجهات المصدرة لهذه التغييرات، وكيف ستؤثر على استخدام العملات المستقرة في المعاملات الدولية وتجنب العقوبات. كما يجب متابعة تطور العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) ودورها المحتمل في النظام المالي العالمي.
