تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تعزيز الأمن الاقتصادي من خلال مبادرة دولية تهدف إلى تأمين سلاسل التوريد للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. يمثل هذا التحرك استجابة متزايدة للمخاوف بشأن الهيمنة الصينية على قطاعات حيوية، وتسعى الولايات المتحدة إلى بناء تحالف مع دول حليفة لضمان استقرار وإمكانية الوصول إلى هذه التقنيات الاستراتيجية. وتشمل هذه الجهود معالجة نقاط الضعف في سلسلة التوريد العالمية، وتقليل الاعتماد على مصادر أحادية.
اجتمعت ست دول – الولايات المتحدة وإسرائيل وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والمملكة المتحدة – الشهر الماضي لإطلاق هذا التحالف، الذي يركز على تأمين إمدادات السيليكون والمكونات الأساسية الأخرى المستخدمة في تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن تنضم قطر والإمارات العربية المتحدة إلى هذه المبادرة في وقت قريب، مع استمرار المناقشات مع الاتحاد الأوروبي وكندا وتايوان.
مبادرة “باكس سيليكا” وأبعاد الأمن الاقتصادي
أطلقت الإدارة الأمريكية على هذه المبادرة اسم “باكس سيليكا” (Pax Silica)، في إشارة إلى “باكس رومانا” (Pax Romana) – وهي الفترة التاريخية من السلام والازدهار في الإمبراطورية الرومانية. يهدف الاسم إلى إضفاء الشرعية على هذه الجهود باعتبارها سعيًا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي و الأمن من خلال التعاون الدولي. إلا أن اختيار كلمة “سيليكا” يشير إلى أهمية السيليكون في هذه المعادلة، والذي يعد مادة أساسية في صناعة أشباه الموصلات، وبالتالي الذكاء الاصطناعي.
الاعتماد على الصين والمخاطر المحتملة
يثير القلق الرئيسي الذي يدفع هذه المبادرة هو الاعتماد الكبير على الصين في العديد من جوانب سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي. فوفقًا لتقديرات مختلفة، تسيطر الصين على حوالي 90٪ من إمدادات العالم من العناصر الأرضية النادرة، وهي ضرورية لتصنيع الرقائق الدقيقة المستخدمة في الهواتف الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة.
في العام الماضي، استخدمت الصين هذا الاعتماد بشكل استراتيجي من خلال تقييد صادرات بعض هذه المعادن ردًا على الإجراءات الجمركية الأمريكية، مما أدى إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية ووضع ضغوطًا على شركات التكنولوجيا. ويشير هذا التصرف إلى إمكانية استغلال الصين للموارد الاستراتيجية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى التخفيف من حدته.
توسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات أخرى
لا تقتصر مبادرة “باكس سيليكا” على أشباه الموصلات والمعادن النادرة فحسب. بل تشمل أيضًا مجالات أخرى حيوية لسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، مثل الطاقة، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للشبكات. يهدف هذا النهج الشامل إلى بناء مرونة في جميع مراحل الإنتاج والتوزيع، وتقليل المخاطر الناجمة عن أي نقطة ضعف محتملة.
مبادرة الحزام والطريق الصينية: التحدي الاستراتيجي
ترى الإدارة الأمريكية أن مبادرة “باكس سيليكا” تمثل ردًا استراتيجيًا على مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وهي مشروع طموح للاستثمار في البنية التحتية يهدف إلى توسيع النفوذ التجاري والسياسي للصين في جميع أنحاء العالم. ووفقًا لتصريحات جاكوب هيلبرج، وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية، فإن “باكس سيليكا” تسعى إلى “عرقلة مبادرة الحزام والطريق الصينية من خلال حرمان الصين من القدرة على شراء الموانئ والطرق السريعة الرئيسية وممرات النقل والخدمات اللوجستية.”
الأبعاد الإقليمية ودور الدول العربية
إن إضافة قطر والإمارات العربية المتحدة إلى إطار “باكس سيليكا” يمثل توسيعًا مهمًا للمبادرة في منطقة الشرق الأوسط. على الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة طورت علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، إلا أن التوترات الأخيرة بسبب الأحداث في غزة قد أثرت على هذه العلاقات. بينما تعتبر قطر وسيطًا رئيسيًا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلا أنها لا تحافظ على علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. وقد يشير انضمام هاتين الدولتين إلى سعي الولايات المتحدة إلى بناء تحالف أوسع يضم دولًا عربية رئيسية في مجال التكنولوجيا والأمن الاقتصادي.
يهدف هذا التحالف إلى تحقيق “أربعة ركائز” رئيسية للاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية، وفقًا لتصريحات هيلبرج، وهي: إعادة التوازن التجاري، وإعادة التصنيع في أمريكا، وتأمين سلاسل التوريد، وتحقيق الاستقرار في مناطق الصراع من خلال الحلول الاقتصادية. ويتضح من ذلك أن “باكس سيليكا” ليست مجرد مبادرة تقنية، بل هي جزء من رؤية أوسع نطاقًا للأمن القومي الأمريكي.
في الختام، من المتوقع أن تواصل الإدارة الأمريكية جهودها لتوسيع نطاق “باكس سيليكا” ليشمل المزيد من الدول، وتعزيز التعاون في مجال البحث والتطوير، والاستثمار في البنية التحتية. يجب مراقبة التطورات المستقبلية لمعرفة مدى نجاح هذه المبادرة في تحقيق أهدافها، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغييرات كبيرة في هيكل سلاسل التوريد العالمية للذكاء الاصطناعي. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يؤثر على سير هذه المبادرة وتطورها.
