كشف تحقيق أجرته المجلس الوطني لسلامة النقل الأمريكية (NTSB) عن سلسلة من الإخفاقات في السلامة النظامية والإدارية التي ساهمت في حادث تصادم جوي مروع في يناير 2025، أسفر عن مقتل 67 شخصًا. التحقيق ركز على التصادم بين طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز بلاك هوك وطائرة ركاب تابعة لشركة الخطوط الجوية الأمريكية بالقرب من مطار رونالد ريغان الوطني في واشنطن العاصمة، وكشف عن مشكلات متجذرة في إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) وفي الجيش الأمريكي.
وقع الحادث فوق نهر بوتوماك، عندما اصطدمت طائرة البلاك هوك برحلة إقليمية تابعة لشركة الخطوط الجوية الأمريكية كانت في طريقها للهبوط. تعتبر هذه هي أسوأ حادثة تحطم طائرة في الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وقد أثارت تساؤلات جدية حول بروتوكولات السلامة الجوية في منطقة العاصمة.
إخفاقات في إدارة الطيران الفيدرالية وسبل التحسين
أظهر التحقيق أن إدارة الطيران الفيدرالية أهملت في تحديد وتقييم المخاطر المتزايدة للاصطدام بين الطائرات الثابتة الأجنحة والمروحيات في المجال الجوي المزدحم حول مطار رونالد ريغان. وذكر المجلس أن الإدارة ضيعت فرصًا متعددة لتصحيح مسارات الطيران وتطبيق إجراءات سلامة أكثر فعالية. بالإضافة إلى ذلك، كشف التحقيق عن نقص في المراجعات الدورية لطرق طائرات الهليكوبتر، على الرغم من أن إدارة الطيران الفيدرالية كانت مطالبة بإجرائها سنويًا.
أشار المحققون إلى أن إدارة الطيران الفيدرالية تتلقى عددًا كبيرًا من البلاغات عن الحوادث الوشيكة (near misses) – 15214 بلاغًا، منها 85 حالة خطيرة – لكنها تعاملت مع هذه البلاغات بشكل منفصل، دون تحليل شامل لتحديد الأنماط أو معالجة المشكلات الأساسية. الأمر الذي أدى إلى عدم وجود استجابة تنظيمية مناسبة لتهديد متزايد.
مخاوف بشأن ثقافة السلامة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي
وفقًا لرئيسة المجلس الوطني لسلامة النقل جينيفر هومندي، لم تكن هناك “ثقافة سلامة إيجابية” داخل منظمة الحركة الجوية التابعة لإدارة الطيران الفيدرالية، حيث أفاد بعض الموظفين عن تعرضهم للتنمر أو الانتقام بعد التعبير عن مخاوفهم المتعلقة بالسلامة. هذا خلق بيئة تثبط الإبلاغ عن المشكلات المحتملة.
علاوة على ذلك، أثار التحقيق تساؤلات حول الاعتماد المفرط لإدارة الطيران الفيدرالية على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات. أشار لورين جروف، كبير علماء البيانات في المجلس الوطني لسلامة النقل، إلى ضرورة وجود “فهم إنساني” للبيانات جنبًا إلى جنب مع التحليلات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، لضمان عدم تجاهل التقارير الهامة.
إخفاقات في نظام سلامة الطيران بالجيش
لم تقتصر المشكلات على إدارة الطيران الفيدرالية. كما كشف التحقيق عن إخفاقات في نظام سلامة الطيران بالجيش، بما في ذلك عدم تخصيص موارد كافية لعمليات طائرات الهليكوبتر في منطقة العاصمة، وغياب ثقافة السلامة الإيجابية. وفقًا للنتائج، فشل الجيش في تحديد “عدم التوافق” في دقة أجهزة قياس الارتفاع في طائرات الهليكوبتر، مما أدى في النهاية إلى تحليق الطائرات على ارتفاعات غير صحيحة وربما تجاوز مسارات الطائرات المدنية. تبين أن المروحية المتورطة كانت تحلق على ارتفاع 100 قدم فوق الحد الأقصى المسموح به.
من المهم الإشارة إلى أن المجلس الوطني لسلامة النقل قد دق ناقوس الخطر بشأن مشكلات الاتصال والسلامة في الطيران لعدة سنوات. في عام 2023، حذرت هومندي لجنة بمجلس الشيوخ الأمريكي من زيادة الحوادث الوشيكة، مشيرة إلى أنها تعكس نظام طيران يعاني من ضغوط كبيرة. وصرحت آنذاك بأن “الانتظار حتى وقوع حادث مميت لاتخاذ إجراء أمر غير مقبول”.
وكشفت تفاصيل إضافية أن البرج الجوي في مطار رونالد ريغان كان يدير حركة الطائرات الثابتة الأجنحة والمروحيات في نفس الوقت، مع وجود نقص في أعداد المراقبين الجويين. ومع ذلك، وجد المجلس أنه كان هناك عدد كافٍ من الموظفين لفصل مهام المراقبة، لكن القرار لم يتخذ. كما أن المراقبين الجويين لم يتمكنوا من تحذير طاقم طائرة الهليكوبتر بشكل فعال من اقتراب الطائرة الأخرى.
يشير التحقيق إلى أن إدارة الطيران الفيدرالية والجيش الأمريكي بحاجة إلى إجراء تغييرات شاملة في طريقة إدارة سلامة الطيران. قد تشمل هذه التغييرات زيادة الموارد المخصصة لتدريب الموظفين، وتحسين ثقافة السلامة، وتطوير بروتوكولات أفضل لتحديد وتقييم المخاطر، ومراجعة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. التحدي الآن هو تنفيذ هذه التوصيات بشكل فعال.
من المتوقع أن يقدم المجلس الوطني لسلامة النقل توصيات مفصلة إلى إدارة الطيران الفيدرالية والجيش الأمريكي في الأسابيع المقبلة. سيراقب الخبراء عن كثب الاستجابة لهذه التوصيات، خاصة فيما يتعلق بتحديد وتنفيذ إجراءات السلامة الجديدة قبل نهاية عام 2025، فضلاً عن معالجة أي ثغرات قانونية أو تنظيمية قد تكون ساهمت في هذا الحادث المأساوي. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت الجهات المعنية ستتعلم من هذه المأساة وتتخذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع حوادث مماثلة في المستقبل.
