عاد معرض دمشق الدولي للكتاب إلى الانعقاد في فبراير 2026، مُشكلًا علامة فارقة في المشهد الثقافي السوري. يمثل المعرض، الذي استضافته مدينة المعارض بريف دمشق، نقطة تحول بعد فترة انقطاع، ويعكس بداية عهد جديد يشهد تحولات رقمية واجتماعية كبيرة في البلاد. استقطب الحدث مشاركة واسعة من ناشرين ومؤسسات ثقافية من 35 دولة، بالإضافة إلى تنظيم أكثر من 650 فعالية ثقافية متنوعة.
يأتي انعقاد المعرض في سياق جهود متزايدة لإعادة إحياء الحياة الثقافية في سوريا، وتعزيز دور الكتاب كأداة أساسية للتنمية الفكرية والاجتماعية. وقد شهدت الدورة الحالية اهتمامًا خاصًا من الباحثين والطلاب، الذين وجدوا في المعرض فرصة لتأمين المصادر العلمية التي كانت تواجههم صعوبات في الحصول عليها.
معرض دمشق الدولي للكتاب: منصة ثقافية في عهد جديد
تعتبر الدورة الحالية من معرض دمشق الدولي للكتاب محطة مهمة في مسيرة الثقافة السورية، حيث تعكس رغبة في الانفتاح والتنوع، وتشجيع الحوار الفكري. وقد أشاد مسؤولون ثقافيون بالمعرض، مؤكدين أنه يمثل انتقالًا نحو مساحة ثقافية أكثر شمولية، ويعزز دور الكتاب في بناء الوعي وتعزيز التفكير النقدي.
شهد المعرض مشاركة بارزة من جناحين ضيفي الشرف، قطر والسعودية، اللذين قدما برامج ثقافية وتراثية جذبت اهتمام الزوار. وتشير هذه المشاركة إلى توجه نحو الاستثمار في إنتاج المحتوى المعرفي، وتعزيز مكانة المعارض كمنصات انطلاق لمشاريع نشر قابلة للتطوير رقميًا.
تلبية احتياجات الباحثين والطلاب
وفقًا لتقرير نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية، تحول معرض دمشق الدولي للكتاب إلى وجهة رئيسية لطلاب الدراسات العليا والباحثين في مختلف التخصصات. وقد ساهم المعرض في سد الفجوة بين الباحثين ومصادرهم، من خلال توفير مراجع تخصصية كانت الحصول عليها صعبًا في السابق، مما يعزز المسيرة التعليمية والبحثية في سوريا.
أكد عدد من الطلاب أن المعرض يمثل فرصة استثنائية لتجاوز الصعوبات التي تواجههم في تأمين المصادر والمراجع، خاصة الحديثة منها. أشار طالب الماجستير في الرياضيات، أحمد خلف، إلى أن المعرض وفر عليه عناء البحث الطويل، حيث وجد فيه مراجع متنوعة وبأسعار تنافسية.
كما لفتت براءة بجبج، وهي طالبة في كلية الصيدلة، إلى أن المعرض ساهم في حل مشكلة ندرة المصادر العلمية الموثوقة، موضحة أن البحث عبر الإنترنت غالبًا ما يصطدم بعوائق مالية أو صعوبات في الدفع الإلكتروني، في حين وفر المعرض هذه المصادر بنسخ ورقية ومترجمة.
التحول الرقمي في صناعة النشر
على الرغم من أن الكتاب الورقي لا يزال محور الحدث، إلا أن الدورة الحالية عكست حضورًا متزايدًا للتقنيات المرتبطة بالنشر الحديث. استضاف المعرض شركات متخصصة في الكتب الصوتية والنشر الرقمي، بالإضافة إلى مبادرات لتحويل الشعر العربي إلى محتوى صوتي وأرشفة التراث الأدبي عبر منصات رقمية. يعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل القراءة مرتبط بالبنية الرقمية.
يمكن قراءة هذه الخطوات ضمن ثلاث طبقات تحول أساسية: رقمنة المحتوى، وبنية النشر الذكية، والتكامل مع الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه المجالات تحويل الإصدارات الورقية إلى كتب إلكترونية وصوتية، وأدوات إدارة الحقوق الرقمية، والترجمة الآلية، وتحسين اكتشاف المحتوى.
الكتاب كمصدر للبيانات
في السياق التقني، لم يعد الكتاب مجرد منتج ثقافي، بل مصدر بيانات قابل للتحليل والمعالجة. يفتح التحول نحو النشر الرقمي الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل اتجاهات القراءة، وتخصيص التوصيات، وأتمتة عمليات التحرير. وهذه التطبيقات تجعل معارض الكتب مساحة تفاعل بين قطاع الثقافة وشركات التقنية.
مبادرات رقمية في المعرض
برزت دار الرشيد للطباعة والنشر والتوزيع بمشروعاتها التفاعلية الجديدة، بما في ذلك مشروع المصحف الشريف الناطق، الذي يعتمد على قلم إلكتروني قارئ يتيح للمتلقي التفاعل المباشر مع النص القرآني. كما قدمت الدار مشروع “الكتاب الناطق”، الذي يعتمد على رمز خاص (باركود) يقوم القارئ بمسحه عبر تطبيق على الهاتف المحمول، ليظهر مقطع فيديو يشرح الفكرة الواردة في النص.
كما شهد المعرض حضورًا لدور نشر متخصصة في كتب الأطفال والتربية، مما يعكس توجهًا نحو تخصيص مساحة لثقافة الطفل وتوسيع تنوع العناوين المعروضة. تعتبر كتب الأطفال من أكثر المجالات قابلية للتحول إلى تطبيقات تعليمية تفاعلية.
آفاق مستقبلية
مع انعقاد معرض دمشق الدولي للكتاب، يواجه قطاع النشر السوري تحديات تتعلق بالقدرة الشرائية للقراء وتغير عادات الاستهلاك الثقافي. ومع ذلك، فإن قدرة المعرض على التحول إلى منصة رقمية متكاملة تشمل بث الفعاليات، وأرشفة المحتوى، وتسويق الكتب إلكترونيًا، وبناء مجتمعات قراءة رقمية، ستكون حاسمة في تحديد مستقبله. من المتوقع أن تشهد الدورة القادمة من المعرض مزيدًا من التركيز على التقنيات الرقمية، وتوسيع نطاق المشاركة الدولية، وتعزيز دور الكتاب في التنمية الثقافية والاجتماعية في سوريا.
